المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٣
في الوجود مدرك و محسوس و معقول و حاضر و غائب إلّا و هو شاهد و معرّف لوجوده و عظم ظهوره فانبهرت العقول و دهشت عن إدراكه فإذن ما تقصر عن فهمه عقولنا له سببان أحدهما خفاؤه في نفسه و غموضه و ذلك لا يخفى مثاله، و الآخر ما يتناهى وضوحه و هذا كما أنّ الخفّاش يبصر باللّيل و لا يبصر بالنهار لا لخفاء النهار و استتاره و لكن لشدّة ظهوره فإنّ بصر الخفّاش ضعيف يبهره نور الشمس إذا أشرقت فتكون قوّة ظهوره مع ضعف بصره سببا لامتناع إبصاره فلا يرى شيئا إلّا إذا امتزج الظلام بالضوء و ضعف ظهوره فكذلك عقولنا ضعيفة و جمال الحضرة الإلهيّة في نهاية الإشراق و الاستنارة و في غاية الاستغراق و الشمول حتّى لم يشذّ عن ظهوره ذرّة من ملكوت السماوات و الأرض فصار ظهوره سبب خفائه، فسبحان من احتجب بإشراق نوره و اختفى عن البصائر و الأبصار بظهوره، و لا يتعجّب من اختفاء ذلك بسبب الظهور فإنّ الأشياء تستبان بأضدادها. و ما عمّ وجوده حتّى أنّه لا ضدّ له عسر إدراكه. فلو اختلف الأشياء فدلّ بعضها دون البعض أدركت التفرقة على قرب و لما اشتركت في الدّلالة على نسق واحد أشكل الأمر، و مثاله نور الشمس المشرق على الأرض فإنّا نعلم أنّه عرض من الأعراض يحدث في الأرض و يزول عند غيبة الشمس فلو كانت الشمس دائمة الإشراق لا غروب لها لكنّا نظنّ أن لا هيئة في الأجسام إلّا ألوانها و هي السواد و البياض و غيرهما، فإنّا لا نشاهد في الأسود إلّا السواد و في الأبيض إلّا البياض فأمّا الضوء فلا ندركه وحده و لكن لمّا غابت الشّمس و أظلمت المواضع أدركنا تفرقة بين الحالتين فعلمنا أنّ الأجسام كانت قد استضاءت بضوء و اتّصفت بصفة فارقتها عند الغروب فعرفنا وجود النور بعدمه و ما كنّا نطّلع عليه لو لا عدمه إلّا بعسر شديد، و ذلك لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة في الظلام و النور، هذا مع أنّ النور أظهر المحسوسات إذ به يدرك سائر المحسوسات فما هو ظاهر في نفسه و هو مظهر لغيره، انظر كيف تصوّر استبهام أمره بسبب ظهوره لو لا طريان ضدّه، فإنّ الربّ تعالى هو أظهر الأمور و به ظهرت الأشياء كلّها، و لو كان له عدم أو غيبة أو تغيّر لانهدمت السماوات و الأرض و بطل الملك و الملكوت و لأدركت به التفرقة بين