المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩
الأجلّ و الأكمل و الأشرف و الأعظم فالعلم به ألذّ العلوم لا محالة و أشرفها و أطيبها، و ليت شعري هل في الوجود شيء أجمل و أعلى و أشرف و أكمل من خالق الأشياء كلّها و مكمّلها و مزيّنها و مبدئها و معيدها و مدبّرها و مرتّبها و هل يتصوّر أن تكون حضرة في الملك و الكمال و البهاء و الجمال و الجلال أعظم من الحضرة الرّبّانيّة الّتي لا يحيط بمبادي جلالها و عجائب أحوالها وصف الواصفين فإن كنت لا تشكّ في ذلك فلا ينبغي أن تشكّ في أنّ الاطّلاع على أسرار الرّبوبيّة و العلم بترتّب الأمور الإلهيّة المحيطة بكلّ الموجودات هو أعلى أنواع المعارف و الاطّلاعات و ألذّها و أطيبها و أشهاها و أحرى ما يشتهي النفوس الاتّصاف بكمالها و جلالها و أجدر ما يعظم به الفرح و الارتياح و الاستبشار و بهذا يتبيّن أنّ العلم لذيذ و أنّ ألذّ العلوم العلم باللّه تعالى و صفاته و أفعاله و تدبيره في مملكته من منتهى عرشه إلى تخوم الأرض فينبغي أن يعلم أنّ لذّة المعرفة أقوى من سائر اللّذّات أعني لذّة الشهوة و الغضب و لذّة سائر الحواسّ الخمس فإنّ اللّذات مختلفة بالنوع أوّلا كمخالفة لذّة الوقاع للذّة السماع و لذّة المعرفة للذّة الرّئاسة و هي مختلفة بالضعف و القوّة كمخالفة لذّة الشبق المغتلم من الجماع بالإضافة إلى لذّة الفاتر للشهوة و كمخالفة لذة النظر إلى الوجه الجميل الفائق الجمال بالإضافة إلى ما دونه في الجمال، و إنّما تعرف أقوى اللّذّات بأن تكون مؤثّرة على غيرها فإنّ المخيّر بين النظر إلى صورة جميلة و التمتّع بمشاهدتها و بين استنشاق روائح طيبة إذا اختار النظر إلى الصور الملاح علم به أنّ الصور الجميلة عنده ألذّ من الروائح الطيّبة و كذلك إذا حضر الطعام وقت الأكل و استمرّ اللّاعب بالشطرنج على اللّعب و ترك الأكل فيعلم به أنّ لذّة الغلبة في الشطرنج أقوى عنده من لذّة الأكل، فهذا معيار صادق في الكشف عن ترجيح اللّذّات فنعود و نقول: اللّذّات تنقسم إلى ظاهرة كلذّة الحواسّ الخمس و إلى باطنة كلذّة الرّئاسة و الغلبة و الكرامة و العلم و غيرها إذ ليست هذه اللّذّات للعين و لا للأنف و لا للأذن و لا للّمس و لا للذّوق و المعاني الباطنة أغلب على ذوي الكمال من اللّذّات الظاهرة فلو خيّر الرّجل بين لذّة الهريسة و