المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٣
عوتبت في كثرة إتيانها المقابر فقالت: إنّ القلب إذا قسا لم يليّنه إلّا رسوم البلى و إنّي لآتي القبور فكأنّي أنظر و قد خرجوا من بين أطباقها و كأنّي أنظر إلى تلك الوجوه المتعفّرة، و إلى تلك الأجسام المتغيّرة، و إلى تلك الأكفان الدّسمة فيا لها من نظرة لو أشربها العباد قلوبهم، ما أنكل مرارتها للأنفس، و أشدّ تلفها للأبدان.
و يستحبّ أيضا الثناء على الميّت و أن لا يذكر إلّا بالجميل، قالت عائشة: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إذا مات صاحبكم فدعوه و لا تقعوا فيه [١]» و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا تسبّوا الأموات فتؤذوا الأحياء [٢]» «لا تسبّوا الأموات فإنّهم قد أفضوا إلى ما قدّموا [٣]».
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «لا تذكروا أمواتكم إلّا بخير فإنّهم إن يكونوا من أهل الجنّة تأثموا و إن يكونوا من أهل النّار فحسبهم ما هم فيه[١]».
(الباب السابع) (في حقيقة الموت و ما يلقاه الميّت في القبر إلى نفخة الصور)
بيان حقيقة الموت: اعلم أنّ للناس في حقيقة الموت ظنونا كاذبة قد أخطئوا فيها فظنّ بعضهم أنّ الموت هو العدم و أنّه لا حشر و لا نشر و لا عاقبة للخير و الشرّ و أنّ موت الإنسان كموت الحيوانات و جفاف النبات و هذا رأي الملحدين و كلّ من لا يؤمن باللّه و اليوم الآخر، و ظنّ قوم أنّه ينعدم بالموت و لا يتألّم بعقاب و لا يتنعّم بثواب ما دام في القبر إلى أن يعاد في وقت الحشر، و قال آخرون: إنّ الرّوح باقية لا تنعدم بالموت و إنّما المثاب و المعاقب هي الأرواح دون الأجساد و إنّ
[١] قال العراقي: رواه ابن أبي الدنيا في الموت هكذا بإسناد ضعيف من حديث عائشة و هو عند النسائي جيد مقتصرا هكذا «لا تذكروا موتاكم الا بخير». و ذكره بالزيادة صاحب مسند الفردوس و علم عليه علامة النسائي و الطبراني.
[١] أخرجه أبو داود ج ٢ ص ٥٧٣ من السنن.
[٢] أخرجه الترمذي ج ٩ ص ١٥١ و أحمد في مسنده من حديث المغيرة.
[٣] أخرجه البخاري ج ٣ ص ١٢٣ من حديث عائشة. و أحمد ج ٦ ص ١٨٠ من مسنده أيضا.