المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٤
أمور فوجدها صحيحة، و الرّؤيا و معرفة الغيب في النوم من عجائب صنع اللّه تعالى و بدائع فطرة الآدمي و هو من أوضح الأدلّة على عالم الملكوت و الخلق غافلون عنه كغفلتهم عن سائر عجائب القلب و عجائب العالم الملكوتي و القول في حقيقة الرّؤيا من دقائق علوم المكاشفة فلا يمكن ذكره علاوة على علم المعاملة و لكن القدر الّذي يمكن ذكره هاهنا مثال يفهمك المقصود، و هو أن تعلم أنّ القلب مثاله مثال مرآة تتراءى فيها الصور و حقايق الأمور و أنّ كلّ ما قدّره اللّه تعالى من ابتداء خلق العالم إلى آخره مسطور و مثبت في خلق خلقه اللّه تعالى يعبّر عنه تارة باللّوح و تارة بالكتاب المبين و تارة بإمام مبين كما ورد في القرآن فجميع ما جري في العالم و ما سيجري مكتوب فيه و منقوش عليه نقشا لا يشاهد بهذه العين، و لا تظنّنّ أنّ ذلك اللّوح من خشب أو حديد أو عظم و أنّ الكتاب من كاغذ أو ورق بل ينبغي أن تفهم قطعا أنّ لوح اللّه لا يشبه لوح الخلق و كتاب اللّه لا يشبه كتاب الخلق كما أنّ ذاته و صفاته لا تشبه ذات الخلق و صفاتهم، بل إن كنت تطلب له مثالا يقرّبه إلى فهمك فاعلم أنّ ثبوت المقادير في اللّوح المحفوظ يضاهي ثبوت كلمات القرآن و حروفه في دماغ حافظ القرآن و قلبه فإنّه مسطور فيه حتّى كأنّه حيث يقرأ ينظر إليه و لو فتّشت دماغه جزءا جزءا لم تشاهد من ذلك الخطّ حرفا و إن كان ليس هناك خطّ يشاهد و لا حرف ينظر، فمن هذا النمط ينبغي أن تفهم كون اللّوح منقوشا بجميع ما قدّره اللّه تعالى و قضاه. و اللّوح في المثال كمرآة ظهر فيها الصّور فلو وضع في مقابلة المرآة مرآة أخرى لكانت صورة تلك المرآة تتراءى في هذه إلّا أن يكون بينهما حجاب فالقلب مرآة تقبل رسوم العلوم و اللّوح مرآة رسوم العلوم كلّها و العلوم كلّها موجودة فيه و اشتغال القلب بشهواته و مقتضى حواسّه حجاب مرسل بينه و بين مطالعة اللّوح الّذي هو من عالم الملكوت فإن هبت ريح حرّكت هذا الحجاب و رفعته تلألأ في مرآة القلب شيء من عالم الملكوت كالبرق الخاطف، و قد يثبت و يدوم و قد لا يدوم و هو الغالب و ما دام متيقّظا فهو مشغول بما تورده الحواسّ عليه من عالم الملك