المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٥٨
على ظواهرهم و بواطنهم و على قلوبهم و لكن لم تدهشهم ملاحظة الجمال و الجلال بل بقيت قلوبهم على حدّ الاعتدال متّسعة للتلفّت إلى الأحوال و الأعمال إلّا أنّها مع ممارسة الأعمال لا تخلو عن المراقبة فيها، نعم غلب عليهم الحياء من اللّه تعالى فلا يقدمون و لا يجمحون إلّا بعد التثبّت فيه و يمتنعون عن كلّ ما يفتضحون به في القيامة فإنّهم يرون اللّه تعالى في الدّنيا مطّلعا عليهم فلا يحتاجون إلى انتظار القيامة و يعرف اختلاف الدّرجتين بالمشاهدات، فانّك في خلواتك قد تتعاطى أعمالا فيحضرك صبيّ أو امرأة فتعلم أنّه مطّلع عليك فتستحي منه فتحسن جلوسك و تراعي أحوالك لا عن إجلال و تعظيم بل عن حياء فإنّ مشاهدته و إن كانت لا تدهشك و لا تستغرقك فإنّها تهيّج الحياء منك و قد يدخل عليك ملك من الملوك أو كبير من الأكابر فيستغرقك التعظيم حتّى تترك كلّ ما أنت فيه شغلا به لاحياء منه، فهكذا تختلف مراتب العباد في مراقبة اللّه تعالى و من كان في هذه الدّرجة فيحتاج إلى أن يراقب جميع حركاته و سكناته و خطراته و لحظاته و بالجملة جميع اختياراته و له فيها نظران نظر قبل العمل و نظر في العمل أمّا قبل العمل فلينظر أنّ ما ظهر له و تحرّك لفعله خاطره أ هو للَّه تعالى خاصّة أو هو في هوى النفس و متابعة الشيطان؟ فيتوقّف فيه و يتثبّت حتّى ينكشف له ذلك بنور الحقّ فإن كان للَّه أمضاه و إن كان لغير اللّه استحيا من اللّه و انكفّ عنه ثمّ لام نفسه على رغبتها فيه و همّها به و ميلها إليه و عزمها على سوء فعلها و سعيها في فضيحتها فإنّها عدوّة نفسها إن لم يتداركها اللّه بعصمته، و هذا التوقّف في بداية الأمور إلى حدّ البيان واجب محتوم لا محيص لأحد عنه فإنّ في الخبر «أنّه ينشر للعبد في كلّ حركة من حركاته و إن صغرت ثلاثة دواوين الدّيوان الأوّل لم، و الثاني كيف، و الثالث لمن» فمعنى لم أي لم فعلت هذا أ كان عليك أن تفعله لمولاك أو ملت إليه بشهوتك و هواك، فإن سلم عنه بأن كان عليه أن يعمل ذلك لمولاه سئل عن الدّيوان الثاني كيف فعلت فإنّ للَّه في كلّ عمل شرطا و حكما لا يدرك قدره و وقته و صفته إلّا بعلم فيقال: كيف فعلت أ بعلم محقّق أم بجهل و ظنّ، فإن سلم من هذا نشر الدّيوان الثالث و هو المطالبة بالإخلاص فيقال: