المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٠
منه و تداركا لما فرط فهكذا كان يعمل عمّال اللّه تعالى فقد عاقب بعضهم نفسه حين فاتته صلاة العصر في جماعة بأن تصدّق بأرض قيمتها مائة ألف درهم، و كان بعضهم إذا فاتته صلاة في جماعة أحيا تلك اللّيلة، و أخّر ليلة صلاة المغرب حتّى طلع كوكبان فأعتق رقبتين وفات من ابن ربيعة ركعتا الفجر فأعتق رقبة، و كان بعضهم يجعل على نفسه صوم سنة أو الحجّ ماشيا أو التصدّق بجميع ماله كلّ ذلك مرابطة للنفس و مؤاخذة لها بما فيه نجاتها.
(١) أقول: و في مصباح الشريعة عن الصّادق عليه السّلام قال: «طوبى لعبد جاهد للَّه نفسه و هواه، و من هزم جند هواه ظفر برضى اللّه، و من جاوز عقله نفسه الأمّارة بالسّوء بالجهد و الاستكانة و الخضوع على بساط خدمة اللّه فقد فاز فوزا عظيما، و لا حجاب أظلم و أوحش بين العبد و بين اللّه تعالى من النفس و الهوى، و ليس لقتلهما في قطعهما سلاح و آلة مثل الافتقار إلى اللّه و الخشوع و الجوع و الظمأ بالنّهار و السهر باللّيل فإن مات صاحبه مات شهيدا و إن عاش و استقام أدّاه عاقبته إلى الرّضوان الأكبر قال اللّه عزّ و جلّ: «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ» [١] و إذا رأيت مجتهدا أبلغ منك في الاجتهاد فوبّخ نفسك و لمها و عيّرها تحثيثا على الازدياد عليه و اجعل لها زماما من الأمر و عنانا من النهي و سقها كالرّائض للفارة الّذي لا يذهب عليه خطوة من خطواتها إلّا و قد صحّح أوّلها و آخرها و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يصلّي حتّى يتورّم قدماه و يقول: «أ فلا أكون عبدا شكورا» أراد أن يعتبر به أمّته فلا تغفلوا عن الاجتهاد و التعبّد و الرّياضة بحال إلّا و إنّك لو وجدت حلاوة عبادة اللّه و رأيت بركاتها و استضأت بنورها لم تصبر عنها ساعة واحدة و لو قطّعت إربا إربا فما أعرض من أعرض إلّا بحرمان فوائد السلف من العصمة و التوفيق، قيل لربيع بن خثيم: ما لك لا تنام باللّيل؟ قال: لأنّي أخاف البيات» [٢].
قال أبو حامد: فإن قلت: إن كانت نفسي لا تطاوعني على الاجتهاد و المرابطة على الأوراد فما سبيل معالجتها؟ فأقول: علاجها أن تسمعها ما ورد في الأخبار من
[١] العنكبوت: ٦٩.
[٢] المصدر الباب الثمانون.