المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١
سماويّ و إنّما الموت يغيّر أحوالها و يقطع شواغلها و عوائقها و يخلّيها من حسبها فأمّا أن يعدمها فلا قال اللّه تعالى: «وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ- الآية» [١] و لا تظننّ أنّ هذا مخصوص بالمقتول في المعركة فإنّ للعارف بكلّ نفس درجة ألف شهيد، و في الخبر «إنّ الشهيد يتمنّى في الآخرة أن يردّ إلى الدّنيا فيقتل مرّة أخرى لعظم ما يراه من ثواب الشهادة و أنّ الشهداء يتمنّون لو كانوا علماء لما يرون من علوّ درجة العلماء» [٢] فإذن جميع أقطار ملكوت السماوات و الأرض ميدان للعارف يتبوّأ منه حيث يشاء من غير حاجة إلى أن يتحرّك فيها بجسمه و شخصه فهو من مطالعة جمال الملكوت في جنّة عرضها السماوات و الأرض و كلّ عارف فله مثلها من غير أن يضيق بعضهم على بعض أصلا إلّا أنّهم يتفاوتون في سعة متنزّهاتهم بقدر تفاوتهم في اتّساع نظرهم و سعة معارفهم و هم درجات عند اللّه و لا يدخل في الحصر تفاوت درجاتهم فقد ظهر أنّ لذّة الرّئاسة و هي باطنة أقوى عند ذوي الكمال من لذّات الحواسّ كلّها، و أنّ هذه اللّذّة لا تكون لبهيمة و لا لصبيّ و لا لمعتوه و إنّ لذّة المحسوسات و الشهوات تكون لذوي الكمال مع لذّة الرّئاسة و لكن يؤثرون الرّئاسة فأمّا معنى كون معرفة اللّه و صفاته و أفعاله و ملكوت سماواته و أسرار ملكه أعظم لذّة من الرّئاسة فهذا يختصّ بمعرفته من نال رتبة المعرفة و ذاقها و لا يمكن إثبات ذلك عند من لا قلب له لأنّ القلب معدن هذه القوّة كما أنّه لا يثبت رجحان لذّة الوقاع على لذّة اللّعب بالصولجان عند الصبيان و لا رجحانه على لذّة شمّ البنفسج عند العنّين لأنّه قد فقد الصفة الّتي بها تدرك هذه اللّذّة، و لكن من سلم من آفة العنة و سلم حاسّة شمّه أدرك التفاوت بين اللّذّتين و عند هذا لا يبقى إلّا أن يقال: من ذاق عرف، و لعمري أنّ طلّاب العلوم و إن لم يشتغلوا بطلب معرفة الأمور الإلهيّة فقد استنشقوا رائحة هذه اللّذّة عند انكشاف المشكلات و انحلال الشبهات
[١] آل عمران: ١٦٣ و ١٦٤.
[٢] متفق عليه من حديث أنس و قد تقدم.