المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٩
على الرّئاسة و على المنكوح و المشروب جميعا فكذلك يكون في الآخرة قوم يؤثرون لذّة النظر إلى وجه اللّه تعالى على نعيم الجنّة إذ يرجع نعيمها إلى المنكوح و المطعوم و هؤلاء بعينهم هم الّذين حالهم في الدّنيا ما وصفنا من إيثار لذّة المعرفة و العلم و الاطّلاع على أسرار الرّبوبيّة على لذّة المنكوح و المشروب و سائر الخلق، مشغولون به، و لذلك لمّا قيل لرابعة: ما تقولين في الجنّة؟ فقالت: الجار، ثمّ الدّار. فبيّنت أنّه ليس في قلبها التفات إلى الجنّة بل إلى ربّ الجنّة فكلّ من لم يعرف اللّه عزّ و جلّ في الدّنيا فلا يراه في الآخرة و كلّ من لم يجد لذّة المعرفة في الدّنيا فلا يجد لذّة النظر في الآخرة إذ ليس يستأنف لأحد في الآخرة ما لم يصحبه في الدّنيا فلا يحصد أحد إلّا ما زرع و لا يحشر المرء إلّا على ما مات عليه و لا يموت إلّا على ما عاش عليه فما صحبه من المعرفة هو الّذي يتنعّم به بعينه فقطّ إلّا أنّه ينقلب مشاهدة بكشف الغطاء فتتضاعف اللّذّة به كما تتضاعف لذّة العاشق إذا استبدل بخيال صورة المعشوق رؤية صورته فإنّ ذلك هو منتهى لذّته و إنّما طيبة الجنّة أنّ لكلّ واحد فيها ما يشتهي فمن لا يشتهي إلّا لقاء اللّه عزّ و جلّ فلا لذّة له في غيره بل ربّما يتأذّى به فإذن نعيم الجنّة بقدر حبّ اللّه تعالى و حبّ اللّه تعالى بقدر معرفته فأصل السعادات هي المعرفة الّتي عبّر الشرع عنها بالإيمان، فإن قلت: فلذّة الرّؤية إن كانت لها نسبة إلى لذّة المعرفة فهي قليلة و إن كانت أضعافها لأنّ لذّة المعرفة في الدّنيا ضعيفة فتضاعفها إلى حدّ قريب لا ينتهي في القوّة إلى أن يستحقر في جنبه سائر لذّات الجنّة، فاعلم أنّ هذا الاستحقار للذّة المعرفة مصدره الخلوّ عن المعرفة فمن خلا عن المعرفة كيف يدرك لذّتها و إن انطوى على معرفة ضعيفة و قلبه مشحون بعلائق الدّنيا فكيف يدرك لذّتها فللعارفين في معرفتهم و فكرتهم و مناجاتهم للَّه عزّ و جلّ لذّات لو عرضت عليهم الجنّة في الدّنيا بدلا عنها لم يستبدلوا بها لذّة الجنّة ثمّ هذه اللّذّة مع كمالها لا نسبة لها أصلا إلى لذّة اللّقاء و المشاهدة كما لا نسبة للذّة خيال المعشوق إلى رؤيته و لا للذّة استنشاق روائح الأطعمة الشهيّة إلى ذوقها و لا للذّة اللّمس باليد إلى لذّة الوقاع و إظهار عظم التفاوت بينهما لا يمكن إلّا بضرب مثال فنقول: لذّة النظر إلى