المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٥٧
الدّرجة الأولى مراقبة المقرّبين من الصدّيقين و هي مراقبة التعظيم و الإجلال و هي أن يصير القلب مستغرقا بملاحظة ذلك الجلال و منكسرا تحت الهيبة فلا يبقى فيه متّسع للالتفات إلى الغير أصلا، و هذه مراقبة لا نطوّل النظر في تفصيل أعمالها فإنّها مقصورة على القلب، أمّا الجوارح فإنّها تتعطّل عن التلفّت إلى المباحات فضلا عن المحظورات فإذا تحرّكت بالطاعات كانت كالمستعملة بها فلا تحتاج إلى تدبّر و تثبّت في حفظها على سنن السداد بل تشتدّ الرّغبة بسداد الرّاعي فإذا صار مستوفى بالمعبود صار الجوارح مستعملة جارية على السداد و الاستقامة من غير تكلّف و هذا هو الّذي صار همّه همّا واحدا و كفاه اللّه تعالى سائر الهموم و من نال هذه الدّرجة فقد يغفل عن الخلق حتّى لا يبصر من يحضر عنده و هو فاتح عينيه و لا يسمع ما يقال له مع أنّه لا صمم به و قد يمرّ على ابنه مثلا فلا يكلّمه حتّى كان بعضهم يجري عليه ذلك فقال لمن عاتبه: إذا مررت بي فحرّكني، و لا تستبعد هذا فإنّك تجد نظير هذا في القلوب المعظمة لملوك الأرض حتّى أنّ خدم الملوك قد لا يحسّون بما يجري عليهم في مجالس الملوك لشدّة استغراقهم بهم، بل قد يشتغل القلب بمهمّ حقير من مهمّات الدّنيا فيغوص الرّجل في الفكر فيه و يمشي فربّما يخطي الموضع الّذي قصده و ينسى الشغل الّذي نهض له، و حكي عن بعضهم أنّه قال: مررت بجماعة يتراقبون[١]و واحد جالس بعيدا منهم فتقدّمت إليه فأردت أن أكلّمه فقال: ذكر اللّه أشهى لقلبي، فقلت: إنّك وحدك؟ فقال: ما أنا وحدي معي ربّي و ملكاي، فقلت:
من سبق من هؤلاء؟ فقال: من غفر اللّه له، فقلت: أين الطريق؟ فأشار نحو السماء و قام و مشى، و قال: أكثر خلقك شاغل عنك. فهذا كلام مستغرق بمشاهدة اللّه تعالى لا يتكلّم إلّا معه و لا يسمع إلّا منه فهذا لا يحتاج إلى مراقبة لسانه و جوارحه فإنّها لا تتحرّك إلّا بما هو فيه، و قيل: عليك بصحبة من يذكّرك اللّه رؤيته و يقع هيبته على قلبك و يعظك بلسان فعله و لا يعظك بلسان قوله. فهذه درجة المراقبين الّذين غلب على قلوبهم الاجلال و التعظيم فلم يبق فيهم متّسع لغير ذلك.
الدّرجة الثانية مراقبة الورعين من أصحاب اليمين و هم قوم غلب يقين اطّلاع اللّه
[١] في الاحياء «يترامون».