المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦٣
ينام فينام على اليد اليمنى مستقبل القبلة مع سائر الآداب الّتي ذكرناها في مواضعها، فكلّ ذلك داخل في المراقبة بل لو كان في قضاء الحاجة فمراعاته لآدابه وفاء بالمراقبة، فإذن لا يخلو العبد إمّا أن يكون في طاعة أو معصية أو مباح فمراقبته في الطاعة بالإخلاص و الإكمال و مراعاة الأدب و حراستها عن الآفات و إن كان في معصية فمراقبته بالتوبة و الندم و الإقلاع و الحياء و الاشتغال بالتفكّر، و إن كان في مباح فمراقبته بمراعاة الأدب ثمّ بشهود المنعم في النعمة و بالشكر عليها، و لا يخلو العبد في جملة أحواله عن بليّة لا بدّ له من الصبر عليها أو نعمة لا بدّ له من الشكر عليها، و كلّ ذلك من المراقبة، بل لا ينفكّ العبد في كلّ حال من فرض اللّه تعالى عليه إمّا فعل يلزمه مباشرته، أو محظور يلزمه تركه، أو ندب حثّ عليه ليسارع به إلى مغفرة اللّه و يسابق به عباده، أو مباح فيه صلاح جسمه و قلبه و فيه عون له على طاعته، و لكلّ واحد من ذلك حدود لا بدّ من مراعاتها بدوام المراقبة «وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» فينبغي أن يتفقّد العبد نفسه في جميع أوقاته في هذه الأقسام الثلاثة، فإذا كان فارغا من الفرائض و قدر على الفضائل فينبغي أن يلتمس أفضل الأعمال ليشتغل بها فإنّ من فاته مزيد ربح و هو قادر على دركه فهو مغبون و الأرباح تنال بمزايا من الفضائل فبذلك يأخذ العبد من دنياه لآخرته كما قال تعالى: «وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا» [١] و كلّ ذلك إنّما يمكن بصبر ساعة واحدة فإنّ الساعات ثلاث: ساعة مضت لا تعب على العبد فيها كيف ما انقضت في مشقّة أو في رفاهية، و ساعة مستقبلة لم تأت بعد و لا يدري العبد أ يعيش إليها أم لا، و لا يدري ما يقضي اللّه فيها، و ساعة راهنة ينبغي أن يجاهد فيها نفسه و يراقب فيها ربّه، فإن لم تأته الساعة الثانية لم يتحسّر على فوات هذه الساعة، و إن أتته الساعة الثانية استوفى حقّه منها كما استوفى من الأولى و لا يطول أمله خمسين سنة فيطول عليه العزم على المراقبة فيها بل يكون ابن وقته و كأنّه في آخر أنفاسه فلعلّه آخر أنفاسه و هو لا يدري، و إذا أمكن أن يكون آخر أنفاسه فينبغي أن يكون على وجه لا يكره أن يدركه الموت و هو على تلك الحالة
[١] القصص: ٧٧.