المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٥
بالفجور و القاصرين همّتهم على مماراة العلماء و مباراة السفهاء و استمالة وجوه الناس و جمع حطام الدّنيا و أخذ أموال السلاطين و المساكين و اليتامى فإنّ هؤلاء إذا تعلّموا كانوا قطّاع طريق اللّه و انتهض كلّ واحد في بلدته نائبا عن الدّجال يتكالب على الدّنيا و يتّبع الهوى و يتباعد عن التقوى و يستجرئ الناس بسبب مشاهدته على معاصي اللّه تعالى ثمّ ينتشر ذلك العلم إلى مثله و أمثاله و يتّخذونه أيضا آلة و وسيلة في الشرّ و اتّباع الهوى و يتسلسل ذلك و وبال جميعه يرجع إلى المعلّم الّذي علّمه العلم مع علمه بفساد نيّته و قصده و مشاهدته أنواع المعصية في أقواله و أفعاله و في مطعمه و ملبسه و مكسبه فيموت هذا العالم و تبقى آثار شرّه منتشرة في العالم ألف سنة و ألفي سنة مثلا، و طوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه، ثمّ العجب من جهله حيث يقول:
«الأعمال بالنيّات» و قد قصدت بذلك نشر علم الدّين فإن استعمله هو في الفساد فالمعصية منه لا منّي و ما قصدت به إلّا أن يستعين به على الخير و إنّما حبّ الرّئاسة و الاستتباع و التفاخر بعلوّ العلم يحسّن ذلك في قلبه و الشيطان بواسطة حبّ الرّئاسة يلبّس عليه و ليت شعري ما جوابه عمّن وهب سيفا من قاطع طريق و أعدّ له خيلا و أسبابا يستعين بها على مقصوده و يقول: إنّما أردت البذل و السخاء و التخلّق بأخلاق اللّه عزّ و جلّ و قصدت به أن يغزو بهذا السيف و الخيل في سبيل اللّه فإنّ إعداد الخيل للرّباط و القوّة للغزاة من أقرب القربات فإن صرفه هو إلى قطع الطريق فهو العاصي و قد أجمع الفقهاء على أنّ ذلك حرام مع أنّ السخاء هو أحبّ الأخلاق إلى اللّه تعالى حتّى قال عليه السّلام:
«إنّ للَّه ثلاثمائة خلق من تقرّب إليه بواحد منها دخل الجنّة و أحبّها إليه السخاء» [١] فليت شعري لم حرّم هذا السخاء و لم وجب عليه أن ينظر إلى قرينة الحال من هذا الظالم فإذا لاح له من عادته أنّه يستعين بالسلاح على الشرّ فينبغي أن يسعى في سلب سلاحه لا في أن يمدّه بغيره و العلم سلاح يقاتل به الشيطان و أعداء اللّه و قد يعاون به أعداء اللّه تعالى و هو الهوى فمن لا يزال مؤثرا لدنياه على دينه و لهواه على آخرته و هو عاجز عنها لقلّة فضله فكيف يجوز إمداده بنوع علم يتمكّن
[١] أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أنس مرفوعا باختلاف في اللفظ. (المغني)