المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٧
الأفعال الإلهيّة كثيرة فنطلب أقلّها و أحقرها و أصغرها و لننظر في عجائبها فأقلّ المخلوقات هو الأرض و ما عليها أعني بالإضافة إلى الملائكة و ملكوت السماوات فإنّك إن نظرت فيها من حيث الجسم و العظم في الشّخص فالشّمس على ما ترى من صغر حجمها مثل الأرض مائة و نيّفا و ستّين مرّة فانظر إلى صغر الأرض بالإضافة إلى الشّمس ثمّ انظر إلى صغر الشّمس بالإضافة إلى فلكها الّذي هي مركوزة فيه فإنّه لا نسبة لها إليه و هي في السماء الرّابعة و هي صغيرة بالإضافة إلى ما فوقها من السماوات، ثمّ السماوات السبع في الكرسيّ كحلقة ملقاة في فلاة. و الكرسيّ في العرش كذلك، فهذا نظر إلى ظاهر الأشخاص من حيث المقادير و ما أحقر الأرض كلّها بالإضافة إليها بل ما أصغر الأرض بالإضافة إلى البحار فقد قال عليه السّلام: «الأرض في البحر كالاصطبل في الأرض» [١] و مصداق ذلك عرف بالمشاهدة و التجربة.
و اعلم أنّ المكشوف من الأرض عن الماء كجزيرة صغيرة بالإضافة إلى كلّ الأرض ثمّ انظر إلى الآدمي المخلوق من التراب الّذي هو جزء من الأرض و إلى سائر الحيوانات و إلى صغره بالإضافة إلى الأرض و دع عنك جميع ذلك فأصغر ما نعرفه من الحيوانات البعوض و النحل و ما يجري مجراهما فانظر في البعوض على صغر قدره و تأمّله بعقل حاضر و فكر صاف، و انظر كيف خلقه اللّه تعالى على شكل الفيل الّذي هو أعظم الحيوانات إذ خلق له خرطوما مثل خرطومه، و خلق له على شكله الصغير سائر الأعضاء كما خلقه للفيل بزيادة جناحين، و انظر كيف قسم أعضاءه الظاهرة فأنبت جناحيه و أخرج يديه و رجليه و شقّ سمعه و بصره و دبّر في باطنه من أعضاء الغذاء و آلاته ما دبّره في سائر الحيوانات و ركّب فيها من القوى الغاذية و الجاذبة و الدّافعة و الماسكة و الهاضمة ما ركّب في سائر الحيوانات هذا في شكله و صفاته، ثمّ انظر إلى هدايته كيف هداه اللّه إلى غذائه و عرّفه أنّ غذاءه دم الإنسان ثمّ انظر كيف أنبت له آلة الطيران إلى الإنسان و كيف خلق له الخرطوم الطويل و هو محدّد الرّأس و كيف هداه إلى المصاص من مسام بشرة الإنسان حتّى يضع خرطومه
[١] قال العراقي: لم أجد له أصلا.