المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٨
المعصية عليه حتّى يجرّه ذلك إلى حبّ المعصية و يجرّه الحبّ إلى فعل المعصية يضاهي ضرب المحبوب للشخص الّذي ضربناه مثلا ليجرّه الضرب إلى الغضب و الغضب إلى الشتم و مقت اللّه عزّ و جلّ لمن عصاه و إن كانت معصيته بتدبيره يشبه بغض المشتوم لمن شتمه و إن كان شتمه إنّما حصل بتدبيره و اختياره لأسباب ذلك و فعل اللّه ذلك بكلّ عبد من عبيده أعني تسليط دواعي المعصية عليه يدلّ على أنّه سبقت مشيّته بإبعاده و مقته فواجب على كلّ عبد محبّ للَّه عزّ و جلّ أن يبغض من أبغضه اللّه و يمقت من مقته اللّه و يعادي من أبعده عن حضرته و إن اضطرّه بقهره و قدرته إلى معاداته و مخالفته فإنّه بعيد مطرود ملعون عن الحضرة و إن كان بعيدا بابعاده قهرا و مطرودا و اضطرارا و المبعد عن درجات القرب ينبغي أن يكون مقيتا بغيضا إلى جميع المحبّين موافقة للمحبوب بإظهار الغضب على من أظهر المحبوب الغضب عليه بإبعاده و بهذا يتقرّر جميع ما وردت به الأخبار في البغض في اللّه و الحبّ في اللّه و التشديد على الكفّار و التغليظ عليهم و المبالغة في مقتهم مع الرّضا بقضاء اللّه عزّ و جلّ من حيث إنّه قضاء اللّه تعالى و هذا كلّه يستمدّ من سرّ القدر الّذي لا رخصة في إفشائه و هو أنّ الشرّ و الخير كليهما داخلان في المشيّة و الإرادة و لكنّ الشرّ مراد مكروه و الخير مراد مرضيّ به فمن قال: ليس الشرّ من اللّه تعالى فهو جاهل و كذا من قال: إنّهما جميعا منه من غير افتراق في الرّضا و الكراهة فهو أيضا مقصّر و كشف الغطاء عنه غير مأذون فيه، فالأولى السكوت و التأدّب بأدب الشرع فقد قال عليه السّلام: «القدر سرّ اللّه فلا تفشوه» [١] و ذلك يتعلّق بعلم المكاشفة و غرضنا الآن بيان الإمكان فيما تعبّد به جميع الخلق في الجمع بين الرّضا بقضاء اللّه و مقت المعاصي مع أنّها من قضاء اللّه عزّ و جلّ و قد ظهر الغرض من غير حاجة إلى كشف السرّ فيه و بهذا يعرف أيضا أنّ الدّعاء للمغفرة و العصمة من المعاصي و لسائر الأسباب المعينة على الدّين غير مناقض للرّضا بقضاء اللّه تعالى فإنّ اللّه عزّ و جلّ تعبّد العباد بالدّعاء ليستخرج الدّعاء منهم صفاء الذّكر و خشوع القلب و رقّة التضرّع و يكون
[١] أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث ابن عمر، و قد تقدم.