المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٢
غضبك على المذنبين أ لست كنت غفّارا قبل خلق الخطّائين خلقت الرّحمة و أمرت بالعطف أم ترينا أنّك ممتنع أم نخشى الفوت فتعجل بالعقوبة»؟ قال: فما برح حتّى اخضلّت بنو إسرائيل بالقطر و أنبت اللّه عزّ و جلّ العشب في نصف يوم حتّى بلغ الرّكب قال: فرجع برخ فاستقبله موسى فقال: كيف رأيت حين خاصمت ربّي كيف أنصفني فهمّ موسى عليه السّلام به فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه أنّ برخا يضحكني كلّ يوم ثلاث مرّات.
و عن الحسن قال: احترقت أخصاص بالبصرة فبقي في وسطها خصّ لم يحترق و أبو موسى الأشعريّ يومئذ أمير البصرة فأخبر بذلك فبعث إلى صاحب الخصّ فاتي بشيخ فقال: يا شيخ ما بال خصّك لم يحترق فقال: إنّي أقسمت على ربّي ألاّ يحرقه، فقال أبو موسى: إنّي سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «يكون في أمّتي قوم شعثة رءوسهم، دنسة ثيابهم لو أقسموا على اللّه لأبرّهم» [١].
و قيل: وقع حريق بالبصرة فجاء أبو عبدة الخوّاص فجعل يتخطّى النار فقال له أمير البصرة: انظر لا تحترق بالنار فقال: إنّي أقسمت على ربّي ألاّ يحرقني بالنار، قال: فاعزم عليه أن تطفئ، قال: فعزم عليه فطفئت.
و كان أبو حفص يمشي ذات يوم فاستقبله رستاقيّ مدهوش فقال له أبو حفص:
ما أصابك؟ فقال: ضلّ حماري و لا أملك غيره، قال: فوقف أبو حفص و قال: و عزّتك لا أخطو خطوة ما لم تردّ عليه حماره، قال: فظهر الحمار في الوقت و مرّ أبو حفص. فهذا و أمثاله يجري لذوي الانس و ليس لغيرهم أن يتشبّه بهم.
قال الجنيد: أهل الانس يقولون في كلامهم و مناجاتهم في خلواتهم أشياء هي كفر عند العامّة و قال مرّة لو سمعها العوامّ لكفّروهم و هم يجدون المزيد في أحوالهم بذلك و ذلك يحتمل منهم و يليق بهم و إليه أشار القائل:
قوم يخالجهم زهو لسيّدهم
و العبد يزهو على مقدار مولاه
تاهوا برؤيته عمّا سواه له
يا حسن رؤيتهم في عزّ ما تاهوا
[١] أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء و فيه انقطاع و جهالة كما في المغني.