المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٩
فالمنع منه عطيّة مبذولة
و الفقر إكرام و برّ عاجل
و من الدّلائل أن يرى من عزمه
طوع الحبيب و إن ألحّ العاذل
و من الدّلائل أن يرى متبسّما
و القلب فيه من الحبيب بلابل
و من الدّلائل أن يرى متفهّما
لكلام من يحظي لديه السائل
و من الدّلائل أن يرى متقشّفا
متحفّظا من كلّ ما هو قائل
(١) أقول: و ممّا يصحّ أن يجعل دليلا ما نقله أبو حامد عن بعضهم في جملة ما تركناه في أواخر هذا الكتاب في معنى المحبّة: أنّها محو الإرادات و احتراق الصفات و الحاجات. و نقل من آخر: أنّ المحبّة معنى من المحبوب قاهر للقلوب تعجز القلوب عن إدراكه و تمنع الألسن عن عبارته فإنّ من يجد في قلبه ذلك للَّه فهو محبّ له.
(بيان معنى الانس باللّه عزّ و جلّ)
قد ذكرنا أنّ الانس و الخوف و الشوق من آثار المحبّة إلّا أنّ هذه آثار مختلفة تختلف على المحبّ بحسب نظره و ما يغلب عليه في وقته فإذا غلب عليه التطلّع من وراء حجب الغيب إلى منتهى الجمال و استشعر قصوره عن الاطّلاع على كنه الجلال انبعث القلب إلى الطلب و انزعج له و هاج إليه فسمّيت هذه الحالة في الانزعاج شوقا و هو بالإضافة إلى أمر غائب و إذا غلب عليه الفرح بالقرب و مشاهدة الحضور بما هو حاصل من الكشف و كان نظره مقصورا على مطالعة الجمال الحاضر المكشوف غير ملتفت إلى ما لم يدركه بعد استبشر القلب بما يلاحظه فيسمّى استبشاره انسا و إن كان نظره إلى صفات العزّ و الاستغناء و عدم المبالاة و خطر إمكان الزّوال و البعد تألّم قلبه بهذا الاستشعار فيسمّى تألّمه خوفا، و هذه الأحوال تابعة لهذه الملاحظات و الملاحظات تابعة لأسباب تقتضيها لا يمكن حصرها، فالانس معناه استبشار القلب و فرحه بمطالعة الجمال حتى أنّه إذا غلب و تجرّد عن ملاحظة ما غاب عنه و ما يتطرّق إليه من خطر الزّوال عظم نعيمه و لذّته، و من هنا نظر بعضهم حيث قيل له: أنت مشتاق فقال: لا إنّما الشوق إلى غائب فإذا كان الغائب حاضرا فإلى من يشتاق؟ و هذا كلام مستغرق بالفرح بما ناله غير ملتفت إلى ما بقي في الإمكان من مزايا الألطاف، و من