المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٨
فقطّ فأمّا إرادته اطّلاع غيره فشرك في الحبّ و قادح فيه كما ورد في الإنجيل: إذا تصدّقت فتصدّق بحيث لا تعلم شمالك ما صنعت يمينك، فالّذي يرى الخفيّات يجزيك به علانية، و إذا صمت فاغسل وجهك و ادّهن رأسك لئلاّ يعلم بذلك غير ربّك فإظهار القول و الفعل كلّه مذموم إلّا إذا غلب سكر الحبّ القلب فانطلق اللّسان و اضطربت الأعضاء فلا يلام فيه صاحبه، ممّا يكره التظاهر بالحبّ بسببه أنّ المحبّ إن كان عارفا و عرف أحوال الملائكة في حبّهم الدّائم و شوقهم اللّازم الّذي به «يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ و لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» لاستنكف من نفسه و من إظهار حبّه و علم قطعا أنّه أخسّ المحبّين في مملكته و إنّ حبّه أنقص من حبّ كلّ محبّ للَّه فهذه مجامع علامات الحبّ و ثمراته.
و منها الانس و الرّضا كما سيأتي، و بالجملة جميع محاسن الدّين و مكارم الأخلاق ثمرة الحبّ و ما لا يثمره الحبّ فهو اتّباع الهوى و هو من رذائل الأخلاق، نعم قد يحبّ اللّه لإحسانه إليه و قد يحبّه لجلاله و جماله و إن لم يحسن إليه. و المحبّون لا يخرجون عن هذين القسمين و لذلك قال الجنيد: الناس في محبّة اللّه عامّ و خاصّ فالعوام نالوا ذلك بمعرفتهم في دوام إحسانه و كثرة نعمه فلم يتمالكوا أن أحبّوه إلّا أنّه تقلّ محبّتهم و تكثر على قدر النعم و الإحسان، و أمّا الخاصّة فنالوا المحبّة بعظم القدر و القدرة و العلم و الحكمة و التفرّد بالملك، فلمّا عرفوا صفاته الكاملة و أسماءه الحسني لم يمتنعوا أن أحبّوه إذ استحقّ عندهم بذلك المحبّة لأنّه أهل لها، و لو أزال عنهم جميع النعم، نعم من الناس من يحبّ هواه و عدوّ اللّه إبليس و هو مع ذلك يلبس على نفسه بحكم الغرور و الجهل و يظنّ أنّه محبّ للَّه. و هو الّذي لا يجد من نفسه هذه العلامات أو يلبس بها نفاقا و رئاء و سمعة، و غرضه عاجل حظّ الدّنيا و هو يظهر من نفسه خلافه كعلماء السوء و قرّاء السوء أولئك بغضاء اللّه في أرضه، و قد قال أبو التراب النخشبي في علامات المحبّ أبياتا:
لا تخدعنّ فللمحبّ دلائل
و لديه من تحف الحبيب وسائل
منها تنعّمه بمرّ بلائه
و سروره في كلّ ما هو فاعل