المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٧
الاستيحاش و من عبده من طريق المحبّة و الخوف أحبّه اللّه فقرّبه و مكّنه و علّمه و المحبّ لا يخلو من خوف و الخائف لا يخلو عن محبّة و لكنّ الّذي غلبت عليه المحبّة حتّى اتّسع فيها و لم يكن له من الخوف إلّا يسير يقال هو في مقام المحبّة و يعدّ من المحبّين و كان شوب الخوف يسكن قليلا من سكر الحبّ فلو غلب الحبّ و استولت المعرفة لم تثبت لها طاقة البشر فإنّما الخوف يعدله و يخفّف وقعه على القلب، و أمثال هذه المعارف الّتي إليها الإشارة لا يجوز أن يشرك الناس فيها و لا يجوز أن يظهرها من انكشف له شيء منها لمن لم ينكشف له بل لو اشترك الناس فيها لخربت الدّنيا فالحكمة تقتضي شمول الغفلة لعمارة الدّنيا بل لو أكل الناس كلّهم الحلال أربعين يوما لخربت الدّنيا لزهدهم فيها و بطلت الأسواق و المعايش بل لو أكل العلماء الحلال لاشتغلوا بأنفسهم و لوقفت الألسنة و الأقلام عن كثير ممّا انتشر من العلوم و لكن للَّه فيما هو شرّ في الظاهر أسرار و حكم كما أنّ له في الخير أسرارا و حكما و لا منتهى لحكمته كما لا غاية لقدرته.
و منها كتمان الحبّ و اجتناب الدّعوى و التوقّي من إظهار الوجد و المحبّة تعظيما للمحبوب و إجلالا له و هيبة منه و غيرة على سرّه فإنّ الحبّ سرّ من أسرار الحبيب. و لأنّه قد يدخل في الدّعوى ما يتجاوز حدّ المعنى و يزيد عليه فيكون ذلك من الافتراء و تعظم العقوبة عليه في العقبي و يتعجّل عليه البلوي في الدّنيا.
نعم قد يكون للمحبّ سكرة في حبّه حتّى يدهش فيها و تضطرب أحواله فيظهر عليه حبّه فإن وقع ذلك من غير تمحّل أو اكتساب فهو معذور لأنّه مقهور و ربما تشتعل من الحبّ نيرانه، فلا يطاق سلطانه و قد يفيض القلب به فلا يندفع فيضانه.
فإن قلت: المحبّة منتهى المقامات و إظهارها إظهار للخير فلما ذا يستنكر؟
فاعلم أنّ المحبّة محمودة و إظهارها أيضا محمود و إنّما المذموم التظاهر بها لما يدخل فيها من الدّعوى و الاستكبار، و حقّ المحبّ أن يتمّ على حبّه الخفي أحواله دون أقواله و أفعاله فان ظهر فينبغي أن يظهر حبّه من غير قصد منه إلى إظهار الحبّ و لا إلى إظهار الفعل الدّالّ على الحبّ بل ينبغي أن يكون قصد المحبّ اطّلاع الحبيب