المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٦
ذلك عقوبة لهم على العثور في الطريق و الالتفات إلى غير المحبوب كما روي في بعض الكتب «إنّ اللّه يقول: إنّ أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوة الدّنيا على طاعتي أن أسلبه لذيذ مناجاتي» [١] فسلب المزيد بسبب الشهوات عقوبة للعموم، و أمّا الخصوص فيحجبهم عن المزيد مجرّد الدّعوى و العجب و الرّكون إلى ما ظهر من مبادي اللّطف، و ذلك هو المكر الخفيّ الّذي لا يقدر على الاحتراز منه إلّا ذوو الأقدام الرّاسخة في العلم ثمّ خوف فوت ما لا يدرك بعد فوته ثمّ خوف السلوّ عنه فإنّ المحبّ يلازمه الشوق و الطلب الحثيث فلا يفتر عن طلب المزيد و لا يتسلّى إلّا بلطف جديد فإن تسلّى عن ذلك كان ذلك سبب وقوفه أو سبب رجعته و السلوّ يدخل عليه من حيث لا يشعر كما قد يدخل الحبّ عليه من حيث لا يشعر فإنّ هذه التقلّبات في القلب لها أسباب خفيّة سماويّة ليس في قوّة البشر الاطّلاع عليها و إذا أراد اللّه المكر به و استدراجه أخفى عنه ما ورد عليه من السلوّ فيقف مع الرّجاء و يغترّ بحسن الظنّ و بغلبة الغفلة و الهوى و النسيان و كلّ ذلك من جنود الشيطان الّتي تغلب جنود الملائكة من العلم و العقل و الذّكر و الثبات، و كما أنّ من أوصاف اللّه تعالى ما يظهر فيقتضي هيجان الحبّ و هي أوصاف اللّطف و الرّحمة و الحكمة فمن أوصافه ما يلوح فيورث السلوّ كأوصاف الجبريّة و العزّة و الاستغناء، و ذلك من مقدّمات المكر و الشقاء و الحرمان ثمّ خوف الاستبدال به بانتقال القلب من حبّه إلى حبّ غيره، و ذلك هو المقت و السلوّ عنه مقدّمة هذا المقام و الإعراض و الحجاب مقدّمة السلوّ و ضيق الصدر بالبرّ و انقباضه عن دوام الذكر و ملالته لوظائف الأوراد أسباب هذه المعاني و مقدّماتها فظهور هذه الأسباب دليل على النقل من مقام الحبّ إلى مقام المقت، نعوذ باللّه منه، و ملازمة الخوف لهذه الأمور و شدّة الحذر منه بصفاء المراقبة دليل صدق الحبّ فإنّ من أحبّ شيئا خاف لا محالة فقده، فلا يخلو المحبّ عن خوف إذا كان المحبوب ممّا يمكن فواته، و قد قال بعض العارفين: من عبد اللّه بمحض المحبّة من غير خوف هلك بالبسط و الإدلال و من عبده من طريق الخوف من غير محبّة انقطع عنه بالبعد و
[١] تقدم في المجلد الأول ص ١٣١ عن كتاب العلل للصدوق رحمه اللّه