المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٦٩
أيضا فلا جرم يكون فرحه بلقاء اللّه عند القدوم عليه على قدر حبّه و عذابه بفراق الدّنيا عند الموت على قدر حبّه لها.
و أمّا السبب الثاني للكراهة فهو أن يكون العبد في ابتداء مقام المحبّة فليس يكره الموت و إنّما يكره عجلته قبل أن يستعدّ للقاء اللّه فذلك لا يدلّ على ضعف الحبّ و هو كالمحبّ الّذي وصل إليه الخبر بقدوم حبيبه عليه فأحبّ أن يتأخّر قدومه ساعة لعمارة داره و تهيئة أسبابها فيلقاه كما يهواه فارغ القلب عن الشواغل خفيف الظهر عن العوائق فالكراهة بهذا السبب لا تنافي كمال الحبّ أصلا و علامته الحدّ في العمل و استغراق الهمّ في الاستعداد.
و منها أن يكون مؤثرا ما أحبّه اللّه عزّ و جلّ على ما يحبّه في ظاهره و باطنه فيجتنب اتّباع الشهوات و يعرض عن دعة الكسل فلا يزال مواظبا على طاعة اللّه تعالى و متقرّبا إليه بالنوافل و طالبا عنده مزايا الدّرجات كما يطلب المحبّ مزيد القرب في قلب محبوبه و قد وصف اللّه تعالى المحبّين بالإيثار فقال: «يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ» [١] و من بقي مستمرّا على متابعة الهوى فمحبوبه ما يهواه بل يترك المحبّ هوى نفسه لهوى محبوبه كما قيل:
أريد وصاله و يريد هجري
فأترك ما أريد لما يريد
بل الحبّ إذا غلب قمع الهوى فلم يبق له تنعّم بغير المحبوب، فإذن من أحبّ اللّه لا يعصيه، و لذلك قال ابن المبارك فيه:
تعصي الإله و أنت تظهر حبّه
هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبّك صادقا لأطعته
إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع
و قيل:
و أترك ما أهوى لما قد هويته
و أرضى بما ترضى و إن سخطت نفسي
و قال سهل: علامة المحبّ إيثاره من أحبّه على نفسه، و ليس كلّ من عمل
[١] الحشر: ٩.