المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٨
في واحد منها، ثمّ كيف قوّاه حتّى يغرز فيه الخرطوم و كيف علّمه المصّ و التجرّع للدّم و كيف خلق الخرطوم مع دقّته مجوّفا حتّى يجري فيه الدّم الصافي الرقيق و ينتهي إلى باطنه و ينتشر في سائر أجزائه و معدته، ثمّ كيف عرّفه أنّ الإنسان يقصده بيده فعلّمه حيلة الهرب و استعمال آلته، و خلق له السمع الّذي يسمع به خفيف حركة اليد و هي بعد بعيدة منه فيترك المصّ و يهرب، ثمّ إذا سكنت اليد عاد ثمّ انظر كيف خلق له حدقتين حتّى يبصر مواضع غذائه فيقصده مع صغر حجم وجهه و انظر إلى أنّ حدقة كلّ حيوان صغير لمّا لم تحتمل حدقته الأجفان لصغره و كانت الأجفان مصقلة لمرآة الحدقة عن القذى و الغبار خلق للبعوض و الذّباب يدين فتنظر إلى الذّباب فتراه على الدّوام يمسح حدقتيه بيديه و أمّا الإنسان و الحيوان الكبير فخلق لحدقتيه الأجفان حتّى ينطبق أحدهما على الآخر و أطرافهما حادّة فيجمع الغبار الّذي يلحق الحدقة و يرميها إلى أطراف الأهداب، و خلق الأهداب السود لتجمع ضوء العين و تعين على الإبصار و تحسن صورة العين و لتشبّكها عند هيجان الغبار فينظر من وراء شباك الأهداب و اشتباكها يمنع دخول الغبار و لا يمنع الإبصار، و أمّا البعوض فخلق له حدقتين مصقلتين من غير أجفان و علّمه كيفيّة التصقيل باليدين و لأجل ضعف أبصارها تراه تتهافت على السّراج لأنّ بصره ضعيف فهو يطلب ضوء النهار فإذا رأي المسكين ضوء السّراج باللّيل ظنّ أنّه في بيت مظلم و أنّ السراج كوّة في البيت المظلم إلى الموضع المضيء فلا يزال يطلب الضوء و يرمي بنفسه إلى الكوّة فإذا جاوزه و رأى الظلام ظنّ أنّه لم تصب الكوّة و لم يقصدها على السداد فيعود إليه مرّة أخرى، إلى أن يحترق فلعلّك تظنّ أن هذا لنقصانها و جهلها، فاعلم أنّ جهل الإنسان أعظم من جهلها بل صورة الآدمي في الإكباب على شهوات الدّنيا صورة الفراش في التهافت على النار إذ يلوح للآدمي أنوار الشهوات من الدّنيا من حيث ظاهر صورتها و لا يدري أنّ تحتها السمّ الناقع القاتل فلا يزال يرمي نفسه عليها إلى أن ينغمس فيها و يتقيّد بها و يهلك هلاكا مؤبّدا فليت كان جهل الآدمي كجهل الفراش فإنّها باغترارها بظاهر الضوء إن احترقت تخلّصت في