المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤٦
«شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» [١] و منه نظر بعضهم حيث قيل له: بم عرفت ربّك؟
فقال: عرفت ربّي بربّي، و لو لا ربّي لما عرفت ربّي، و إلى الثّاني الإشارة بقوله:
«سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ» [٢] و بقوله: «أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» [٣] و بقوله: «قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» [٤] و بقوله:
«الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ» [٥] و هذا الطريق هو الأسهل على الأكثرين و هو الأوسع على السالكين و إليه أكثر دعوة القرآن عند الأمر بالتّدبّر و التّذكّر و التفكّر و الاعتبار و النظر في آيات خارجة عن الحصر.
فإن قلت: كلا الطريقين مشكل فأوضح لنا منهما ما يتوصّل به إلى تحصيل المعرفة و التوصّل به إلى المحبّة. فاعلم أنّ الطّريق الأعلى هو الاستشهاد بالحقّ سبحانه على سائر الخلق فهو غامض و الكلام فيه خارج عن حدّ فهم أكثر الخلق فلا فائدة في إيراده في الكتب. و أمّا الطريق الأسهل الأدنى فأكثره غير خارج عن حدّ الافهام و إنّما قصرت الأفهام عنها لإعراضها عن التدبّر و اشتغالها بشهوات الدّنيا و حظوظ النّفس و المانع من ذكر هذا اتّساعه و كثرته و انشعاب أبوابه الخارجة عن الحصر و النهاية إذ ما من ذرّة من أعلى السماوات إلى تخوم الأرضين إلّا و فيها عجائب و آيات تدلّ على كمال قدرة اللّه عزّ و جلّ و كمال حكمته و منتهى جلاله و عظمته و ذلك ممّا لا يتناهى «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي» فالخوض فيه انغماس في بحار علوم المكاشفة فلا يمكن أن يتطفّل به على علوم المعاملة و لكن يمكن الرّمز إليه بمثال واحد على الإيجاز ليقع التنبيه لجنسه فنقول: أسهل الطّريقين النظر إلى الأفعال فلنتكلّم فيها و لنترك الأعلى، ثمّ
[١] آل عمران: ١٦.
[٢] فصلت: ٥٣.
[٣] الأعراف: ١٨٤.
[٤] يونس: ١٠١.
[٥] الملك: ٣ و ٤.