المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٤١
الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» و كلّ من انتهى إلى هذه الرّتبة فإنّه يحبّ لقاء اللّه عزّ و جلّ فيحبّ الموت و لا يكرهه إلّا من حيث ينتظر زيادة استكمال في المعرفة فإنّ المعرفة كالبذر و بحر المعرفة لا ساحل له و الإحاطة بكنه جلال اللّه محال و كلّما كثرت المعرفة باللّه عزّ و جلّ و بصفاته و بأفعاله و بأسرار مملكته و قويت كثر النعيم في الآخرة و عظم كما أنّه كلّما كثر البذر و حسن كثر الزّرع و حسن، و لا يمكن تحصيل هذا البذر إلّا في الدّنيا و لا زرع إلّا في صعيد القلب و لا حصاد إلّا في الآخرة، و لذلك قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أفضل السعادات طول العمر في طاعة اللّه عزّ و جلّ»[١]لأنّ المعرفة إنّما تكمل و تكثر و تتّسع في العمر الطويل بمداومة الفكر و المواظبة على الذّكر و طول المجاهدة و الانقطاع عن علائق الدّنيا و التجرّد للطّلب و يستدعى ذلك زمانا لا محالة فمن أحبّ الموت أحبّه لا محالة لأنّه رأى نفسه واثقا في المعرفة بالغا إلى منتهى ما يسّر له و من كره الموت كرهه لأنّه كان يأمل مزيد معرفة يحصل له بطول العمر و رأى نفسه مقصّرا عمّا تحتمله قوّته لو عمّر فهذا سبب كراهة الموت و حبّه عند أهل المعرفة، و أمّا سائر الخلق فنظرهم مقصور على شهوات الدّنيا إن اتّسعت اختاروا البقاء و إن ضاقت تمنّوا الموت و كلّ ذلك حرمان و خسران مصدره الجهل و الغفلة، فالجهل و الغفلة مغرس كلّ خطيئة و شقاوة، و العلم و المعرفة أساس كلّ سعادة، فقد عرفت بما ذكرناه معنى المحبّة و معنى العشق فإنّه المحبّة المفرطة القويّة، و معنى لذّة المعرفة، و معنى الرؤية، و معنى كونها ألذّ من سائر اللّذّات عند ذوي العقول و الكمال و إن لم يكن كذلك عند ذوي النقصان كما لم تكن الرّئاسة ألذّ من المطعومات و الملاعب عند الصبيان.
فإن قلت: فهذه الرّؤية محلّها العين أو القلب في الآخرة، فاعلم أنّ النّاس اختلفوا فيه و أرباب البصائر لا يلتفتون إلى ذلك و لا ينظرون فيه بل العاقل يأكل البقل و لا يسأل عن المبقلة و من يشتهي رؤية معشوقه يشغله عشقه عن أن يلتفت إلى
[١] رواه القضاعي في الشهاب و الديلمي في الفردوس من حديث ابن عمر، هكذا «السعادة كل السعادة طول العمر في طاعة اللّه» و سنده حسن كما في الجامع الصغير.