المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٥٦
في جهنّم تتعوّذ منه جهنّم كلّ يوم سبعون مرّة أعدّه اللّه تعالى للقرّاء المرائين [١]» فهذه سعة جهنّم و انشعاب أوديتها، و هي بحسب أودية الدّنيا و شهواتها و عدد أبوابها بعدد الأعضاء السبعة الّتي بها يعصي العبد، بعضها فوق بعض، الأعلى جهنّم، ثمّ سقر، ثمّ لظى، ثمّ الحطمة، ثمّ السعير، ثمّ الجحيم، ثمّ الهاوية، فانظر الآن في عمق الهاوية فإنّه لا حدّ لعمقها كما لا حدّ لعمق شهوات الدّنيا، فكما لا ينتهى أرب من الدّنيا إلّا إلى أرب أعظم منه فلا تنتهي هاوية من جهنّم إلّا إلى هاوية أعمق منها.
قيل: «كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فسمعنا وجبة فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
أ تدرون ما هذا؟ قلنا: اللّه و رسوله أعلم، فقال: هذا حجر أرسل في جهنّم منذ سبعين عاما الآن حين انتهى إلى قعرها [٢]» ثمّ انظر إلى تفاوت الدّركات فإنّ الآخرة أكبر درجات و أكبر تفصيلا فكما أنّ إكباب النّاس على الدّنيا متفاوت فمن منهمك مستكبر كالغريق فيها و من خائض فيها إلى حدّ محدود فكذلك تناول النّار لهم متفاوت فإنّ اللّه لا يظلم مثقال ذرّة فلا تترادف أنواع العذاب على كلّ من في النّار كيفما كان بل لكلّ واحد منهم حدّ معلوم على قدر عصيانه و ذنبه إلّا أنّ أقلّهم عذابا لو عرضت عليه الدّنيا بحذافيرها لافتدى بها من شدّة ما هو فيه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «إنّ أدنى أهل النّار عذابا يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه [٣]» فانظر الآن إلى من خفّف عليه و اعتبر به من شدّد عليه، و مهما شككت في شدّة عذاب النّار فقرّب أصبعك من النّار و قس به ذلك،
[١] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٢٥٦ و ابن عدى من حديث أبي هريرة و رواه البيهقي بإسناد حسن كما في الترغيب و الترهيب ج ٤ ص ٤٦٨.
[٢] روى نحوه مسلم ج ٨ ص ١٥٠ و راجع الترغيب و الترهيب ج ٤ ص ٤٧٠.
[٣] رواه البغوي في المصابيح ج ٢ ص ٢٢٢ من حديث أبي هريرة بأدنى اختلاف في اللفظ و رواه أحمد و البزار و رواته رواة الصحيح كما في الترغيب و الترهيب ج ٤ ص ٤٨٧.
و أخرجه الحاكم في المستدرك ج ٤ ص ٥٨١ و قال صحيح، و رواه مسلم ج ١ ص ١٣٥ و اللفظ له.