المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤١
قد أنشب الخصماء فيك مخالبهم فأحكموا في تلابيبك أيديهم و أنت مبهوت متحيّر من كثرتهم حتّى لم يبق في عمرك أحد عاملته على درهم أو جالسته في مجلس إلّا و قد استحقّ عليك مظلمة بغيبة أو خيانة أو نظر بعين استحقار و قد ضعفت عن مقاومتهم و مددت عنق الرّجاء إلى سيّدك و مولاك لعلّه يخلصك من أيديهم إذ قرع سمعك نداء الجبّار «الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ» فعند ذلك ينخلع قلبك من الهيبة، و توقن نفسك بالبوار و تتذكّر ما أنذرك اللّه تعالى به على لسان رسوله حيث قال: «وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ. مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ [١]» فما أشدّ فرحك اليوم بتمضمضك بأعراض النّاس و تناولك أموالهم، و ما أشدّ حسرتك في ذلك إذا وقف بك على بساط العدل و شوفهت بخطاب السياسة و أنت مفلس فقير عاجز مهين لا تقدر على أن تردّ حقّا أو تظاهر عذرا فعند ذلك يؤخذ حسناتك الّتي تعبت فيها عمرك و تنقل إلى خصمائك عوضا عن حقوقهم فقد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«هل تدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا يا رسول اللّه من لا درهم له و لا متاع، فقال: المفلس من امّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة و زكاة و صيام، و يأتي قد شتم هذا، و قذف هذا، و أكل مال هذا، و سفك دم هذا و ضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته و هذا من حسناته و إن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثمّ طرح في النّار [٢]».
(١) أقول: و قد مرّ في صفة أهل المحشر حديث طويل من طريق الخاصّة في الخصماء و ردّ المظالم و بيان ذلك مفصّلا.
قال أبو حامد: فانظر إلى مصيبتك في مثل هذا اليوم إذ ليس تسلم لك حسنة من آفات الرّياء و مكايد الشيطان فإن سلمت حسنة واحدة في كلّ مدّة طويلة ابتدرك خصماؤك و أخذوها و لو أنّك حاسبت نفسك و أنت مواظب على صيام النهار
[١] إبراهيم: ٤٢ و ٤٣.
[٢] أخرجه مسلم ج ٨ ص ١٨ و قد تقدم غير مرة.