المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٣٨
قد قرع سمعك النّداء إلى العرض فيكفيك تلك الرّوعة جزاء عن ذنوبك إذ يؤخذ بناصيتك فتقاد و فؤادك مضطرب و لبّك طائر و فرائصك مرتعدة و جوارحك مضطربة و لونك متغيّر، و العالم عليك من شدّة الهول مظلم، فقدّر نفسك و أنت بهذه الصفة تتخطّى الرّقاب و تخرق الصفوف و تقاد كما يقاد الفرس المجنوب، و قد رفعت الخلائق إليك أبصارهم فتوهّم نفسك في أيدي الموكّلين بك على هذه الصفة انتهوا بك إلى عرش الرّحمن فرموك من أيديهم و يناديك اللّه سبحانه بعظيم كلامه: يا ابن آدم ادن منّي فدنوت منه بقلب خافق محزون وجل، و طرف خاشع ذليل، و فؤاد منكسر، و أعطيت كتابك الّذي لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلّا أحصاها فكم من فاحشة نسيتها فذكرتها و كم من طاعة غفلت عن آفاتها فانكشف لك عن مساويها، فكم لك من خجلة و حيرة، و كم لك من حصر و عيّ فليت شعري بأيّ قدم تقف بين يديه و بأيّ لسان تجيب و بأيّ قلب تعقل ما تقول؟ ثمّ تفكّر في عظيم حيائك إذا ذكّرك ذنوبك شفاها إذ يقول: يا عبدي أ ما استحييت منّي فبارزتني بالقبيح و استحييت من خلقي فأظهرت لهم الجميل؟ أ كنت أهون عليك من سائر عبادي استخففت بنظري إليك فلم تكترث و استعظمت نظر غيري أ لم أنعم عليك؟ فما ذا غرّك بي؟ أ ظننت أنّي لا أراك و أنّك لا تلقاني؟ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ما منكم من أحد إلّا و يسأله اللّه ربّ العالمين ليس بينه و بينه حجاب و لا ترجمان [١]» و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ليقفنّ أحدكم بين يدي اللّه عزّ و جلّ ليس بينه و بينه حجاب فيقول له: أ لم أنعم عليك؟ أ لم اوتك مالا؟ فيقول: بلى فيقول: أ لم أرسل عليك رسولا؟ فيقول: بلى، ثمّ ينظر عن يمينه فلا يرى إلّا النّار ثمّ ينظر عن شماله فلا يرى إلّا النّار، فليتّق أحدكم النّار و لو بشقّ تمرة فإن لم يجد فبكلمة طيّبة [٢]».
و قال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلّا سيخلو اللّه عزّ و جلّ به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، ثمّ يقول: يا ابن آدم ما غرّك بي؟ يا ابن آدم ما عملت فيما علمت؟ يا ابن آدم ما ذا أجبت المرسلين؟ يا ابن آدم أ لم أكن رقيبا على عينيك
[١] أخرجه مسلم ج ٣ ص ٨٦ من حديث عدى بن حاتم بلفظ «الا سيكلمه».
[٢] أخرجه مسلم ج ٣ ص ٨٦ من حديث عدى بن حاتم بلفظ «الا سيكلمه».