المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٣٧
يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ» قال: ثمّ انقطع حديث أبي جعفر عليه و على آبائه السلام [١]».
قال أبو حامد: فإذا رأوا ما قد أقيم من السياسة على الأنبياء اشتدّ الفزع على العصاة ففرّ الوالد من ولده و الأخ من أخيه و الزّوج من زوجته و بقي كلّ واحد منتظرا لأمره ثمّ يؤتى بواحد واحد فيسأله اللّه شفاها عن قليل عمله و كثيره و عن سرّه و علانيته و عن جميع جوارحه و أعضائه.
فتوهّم نفسك يا مسكين و قد أخذت الملائكة بعضديك و أنت واقف بين يدي اللّه تعالى يسألك شفاها فيقول لك: أ لم أنعم عليك بالشّباب ففيما ذا أبليته؟ أ لم أمهل لك في العمر ففيما ذا أفنيته؟ أ لم أرزقك المال فمن أين اكتسبته، و فيما ذا أنفقته؟
أ لم أكرمك بالعلم فما ذا عملت فيما علمت؟ فكيف ترى حياءك و خجلتك و هو يعدّد عليك إنعامه و معاصيك و أياديه و مساويك فإن أنكرت شهدت عليك جوارحك، قال أنس: كنّا يوما مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فضحك، ثمّ قال: «أ تدرون مم أضحك؟ قلنا اللّه و رسوله أعلم قال: من مخاطبة العبد ربّه يقول: يا ربّ أ لم تجرني من الظلم؟
قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإنّي لا أجيز على نفسي إلّا شاهدا منّي، فيقول:
«كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً» [٢] و بالكرام الكاتبين شهودا، قال: فيختم على فيه و يقال لأركانه: انطقي قال: فتنطق بأعماله ثمّ يخلّى بينه و بين الكلام فيقول لأعضائه بعدا لكنّ و سحقا فعنكنّ كنت أناضل [٣]». فنعوذ باللّه من الافتضاح على ملأ الخلق بشهادة الأعضاء إلّا أنّ اللّه وعد المؤمن بأن يستر عليه و لا يطّلع عليه غيره، و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من ستر على مؤمن عورته ستر اللّه عورته يوم القيامة [٤]» فهذا إنّما يرجى لعبد مؤمن ستر على النّاس عيوبهم و احتمل في حقّ نفسه تقصيرهم و لم يحرّك لسانه بذكر مساوي النّاس و لم يذكرهم في غيبتهم بما يكرهون لو سمعوه فهو جدير بأن يجازى بمثله في القيامة، و هب أنّه قد ستره عن غيرك أ ليس
[١] تفسير على بن إبراهيم القمي ص ١٧٨ إلى ١٨٠.
[٢] الاسراء: ١٤.
[٣] رواه مسلم في صحيحه و ابن أبي الدنيا في التوبة و اللفظ له و ابن أبي حاتم و البيهقي في الأسماء و الصفات من حديث أنس.
[٤] أخرجه مسلم ج ٨ ص ٢١ و قد تقدم.