المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٢٧
(صفة العرق)
ثمّ تفكّر في ازدحام الخلائق و اجتماعهم حين ازدحامهم على الموقف أهل السموات السبع و الأرضين السبع من ملك و جنّ و إنس و شيطان و وحش و سبع و طير و قد أشرقت عليهم الشمس و قد تضاعف حرّها[١]و تبدّلت عمّا كانت عليه من خفّة أمرها، ثمّ أدنيت من رءوس العالمين كقاب قوسين فلم يبق على الأرض ظلّ إلّا ظلّ عرش ربّ العالمين و لم يمكن من الاستظلال به إلّا المقرّبون، فمن بين مستظلّ بالعرش و بين مضح لحرّ الشّمس قد صهرته بحرّها و اشتدّ كربه و غمّه من وهجها ثمّ تدافعت الخلائق يدفع بعضها بعضا لشدّة الزّحام و اختلاف الأقدام و انضاف إليه من شدّة الخجلة من الافتضاح و الاختزاء عند العرض على جبّار السماء فاجتمع وهج الشّمس و حرّها و حرّ الأنفاس و احتراق القلوب بنار الحياء و الخوف ففاض العرق من أصل كلّ شعرة حتّى سال على صعيد القيامة، ثمّ ارتفع على أبدانهم على قدر منازلهم عند اللّه فبعضهم بلغ العرق ركبتيه و بعضهم إلى حقويه و بعضهم إلى شحمة أذنيه و بعضهم كاد يغيب فيه قال ابن عمر: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ حتّى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» [١].
و قال أبو هريرة: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يعرق الناس يوم القيامة حتّى يذهب عرقهم في الأرض سبعين باعا و يلجمهم و يبلغ آذانهم» كذا رواها البخاري و مسلم في الصحيح [٢] و في حديث آخر «قياما شاخصة أبصارهم أربعين سنة إلى السّماء
[١] هذا لا يلائم قوله تعالى: «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ» و قوله تعالى: «وَ خَسَفَ الْقَمَرُ وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ» و قول أبي حامد آنفا «و طمس القمر و الشمس و أظلمت الأرض لخمود سراجها .. إلخ» نعم ورد في الروايات أن القيامة حرها شديد لكن أحكام القيامة و شرائطها غير شرائط الدنيا و لا يقاس حرارة الآخرة و نورها بنور الدنيا و حرارتها و من قاسهما فمن قلة فهمه و عدم تدبره في آيات اللّه.
[١] أخرجه البخاري ج ٨ ص ١٣٨ و مسلم ج ٨ ص ١٥٧ و أحمد ج ٢ ص ١٠٧.
[٢] صحيح البخاري ج ٨ ص ١٣٨ و صحيح مسلم ج ٨ ص ١٥٨ و فيه زيادة.