المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠٦
يشاهده فإن كنت لا تؤمن بهذا فتصحيح أصل الايمان بالملائكة و الوحي أهمّ عليك و إن كنت آمنت به و جوّزت أن يشاهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما لا تشاهده الامّة فكيف لا تجوّز هذا في الميّت، و كما أنّ الملك لا يشبه الآدميين و الحيوانات فالحيّات و العقارب الّتي تلدغ في القبر ليست من جنس حيّات عالمنا بل هي جنس آخر و تدرك بحاسّة أخرى. المقام الثاني أن تتذكّر أمر النائم و أنّه قد يرى في نومه حيّة تلدغه و هو يتألّم بذلك حتّى تراه في نومه يصيح و يعرق جبينه و قد ينزعج من مكانه كلّ ذلك يدركه من نفسه و يتأذّى به كما يتأذّى اليقظان و هو يشاهده و أنت ترى ظاهره ساكنا و لا ترى باطنه و لا ترى حواليه حيّة و لا عقربا و الحيّة موجودة في حقّه و العذاب حاصل به و لكنّه في حقّك غير مشاهد و إذا كان العذاب في ألم اللّدغ فلا فرق بين حيّة تتخيّل أو تشاهد. المقام الثالث أنّك تعلم أنّ الحيّة بنفسها لا تؤلم بل الّذي يلقاك منها هو السمّ ثمّ السمّ ليس هو الألم بل عذابك في الأثر الّذي يحصل فيك من السّمّ فلو حصل مثل ذلك الأثر من غير سمّ لكان العذاب قد نزل و لكن لا يمكن تعريف ذلك النوع من العذاب إلّا بأن يضاف إلى السّبب الّذي يفضي إليه في العادة فإنّه لو خلق في الإنسان لذّة الوقاع مثلا من غير مباشرة صورة الوقاع لم يمكن تعريفها إلّا بالإضافة إليه لتكون الإضافة للتعريف بالسّبب و تكون ثمرة السبب حاصلا و إن لم تحصل صورة السبب و السبب يراد لثمرته لا لذاته و هذه الصفات المهلكات تنقلب مؤذيات و مؤلمات في النّفس عند الموت فتكون آلامها كآلام لدغ الحيّات من غير وجود حيّات و انقلاب الصفة مؤذية يضاهي انقلاب العشق مؤذيا عند موت المعشوق فإنّه كان لذيذا فطرأت حالة صار اللّذيذ بنفسه مؤلما حتّى نزل بالقلب من أنواع العذاب ما يتمنّى معه أنّه ليته لم يكن قد تنعّم بالعشق و الوصال بل هذا بعينه هو أحد أنواع عذاب الميّت فإنّه قد سلّط العشق في الدّنيا على نفسه فصار يعشق ماله و عقاره و جاهه و ولده و أقاربه و معارفه، و لو أخذ جميع ذلك في حياته من لا يرجو استرجاعه منه فما ذا ترى يكون حاله أ ليس يعظم شقاؤه و يشتدّ عذابه، و يتمنّى و يقول: ليته لم يكن لي