المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠
الدّجاج المسمن و اللّوزينج و بين لذّة الرّئاسة و قهر الأعداء و نيل درجة الاستيلاء، فإن كان المخيّر خسيس الهمّة ميّت القلب شديد النهمة اختار الهريسة و الحلاوة و إن كان عليّ الهمّة كامل العقل اختار الرّئاسة و هان عليه الجوع و الصبر على ضرورة القوت أيّاما كثيرة فاختياره للرّئاسة يدلّ على أنّها ألذّ عنده من الهريسة و المطعومات الطيّبة، نعم الناقص الّذي لم تكمل معانيه الباطنة بعد كالصبيّ أو كالّذي ماتت قواه الباطنة كالمعتوه لا يبعد أن يؤثر لذّة المطعومات على لذّة الرّئاسة و كما أنّ لذّة الرّئاسة و الكرامة أغلب اللّذّات على من جاوز نقصان الصّبي و العته فلذّة معرفة اللّه تعالى و مطالعة جمال الحضرة الرّبوبيّة و النظر إلى أسرار الأمور الإلهيّة ألذّ من الرّئاسة الّتي هي أعلى اللّذّات الغالبة على الخلق، و غاية العبارة عنه أن يقال: «فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ» [١] و أنّه أعدّ لهم ما لا عين رأت و لا إذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، و هذا لا يعرفه إلّا من ذاق اللّذّتين جميعا فإنّه لا محالة يؤثر التبتّل و التفرّد و الفكر و الذّكر، و ينغمس في بحار المعرفة و يترك الرّئاسة و يستحقر الخلق الّذين يرأسهم لعلمه بفناء رئاسته و فناء من عليه رئاسته و كونه مشوبا بالكدورات الّتي لا يتصوّر الخلوّ عنها و كونه مقطوعا بالموت الّذي لا بدّ من إتيانه مهما «أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا- الآية» [٢] فيستعظم بالإضافة إليه لذّة معرفة اللّه تعالى و مطالعة صفاته و أفعاله و نظام مملكته من أعلى علّيّين إلى أسفل السافلين، فإنّها خالية عن المزاحمات و المكدّرات، متّسعة للمتواردين عليها، لا يضيق عنهم بكثرتهم دائما و إنّما عرضها من حيث التقدير السماوات و الأرض، و إذا خرج النظر عن المقدّرات فلا نهاية لعرضها، فلا يزال العارف بمطالعتها في جنّة عرضها السماوات و الأرض، يرتع في رياضها و يكرع في حياضها و يقطف من ثمارها و هو آمن من انقطاعها إذ ثمار هذه الجنّة غير مقطوعة و لا ممنوعة بل هي أبديّة سرمديّة لا يقطعها الموت إذ الموت لا يهدم محلّ معرفة اللّه تعالى إذ محلّها الرّوح الّذي هو أمر ربّانيّ
[١] السجدة: ١٧.
[٢] يونس: ٢٤.