المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٦
جريدة قد دوّن فيها جميع فواحشه و جناياته ذرّة ذرّة و خطوة خطوة، و الملك قاهر متسلّط و غيور على حرمه و منتقم من الجناة على ملكه و غير ملتفت إلى من يتشفّع إليه في العصاة عليه فانظر إلى حال هذا المأخوذ كيف يكون حاله قبل نزول عذاب الملك به من الخوف و الخجلة و الحياء و التحسّر و التندّم، فهذا حال الميّت الفاجر المغترّ بالدّنيا المطمئنّ إليها قبل نزول عذاب القبر به، بل عند موته، نعوذ باللّه منه فإنّ الخزي و الافتضاح و هتك الستر أعظم من كلّ عذاب يحلّ بالجسد من الضرب و القطع و غيرهما، فهذه إشارة إلى حال الميّت عند الموت شاهدها أولو- البصائر بمشاهدة باطنة أقوى من مشاهدة العين و شهد لذلك شواهد الكتاب و السّنة، نعم لا يمكن كشف الغطاء عن كنه حقيقة الموت إذ لا يعرف الموت من لا يعرف الحياة و معرفة حقيقة الحياة بمعرفة حقيقة الرّوح في نفسها و إدراك ماهيّة ذاتها و لم يؤذن الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يتكلّم فيها و لا أن يزيد على أن يقول «الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» فليس لأحد من علماء الدّين أن يكشف عن سرّ الرّوح و إن اطّلع عليه و إنّما المأذون فيه ذكر حال الرّوح بعد الموت، و يدلّ على أنّ الموت ليس عبارة عن انعدام الرّوح و انعدام إدراكها آيات و أخبار كثيرة أمّا الآيات فما ورد في الشهداء قال تعالى: «وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ [١]» و لما قتل صناديد العرب يوم بدر ناداهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:
«يا فلان يا فلان قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا؟
فقيل: يا رسول اللّه أ تناديهم و هم أموات؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: و الّذي نفسي بيده إنّهم لأسمع لهذا الكلام منكم إلّا أنّهم لا يقدرون على الجواب [٢]» فهذا نصّ في بقاء روح الشقيّ و بقاء إدراكها و معرفتها و الآية نصّ في بقاء أرواح الشّهداء، و لا يخلو الميّت عن سعادة أو شقاوة و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «القبر إمّا حفرة من حفر النّيران أو روضة من رياض الجنّة [٣]» و هذا نصّ صريح في أنّ الموت معناه تغيّر حال فقطّ
[١] آل عمران: ١٦٩.
[٢] أخرجه مسلم ج ٨ ص ١٣٦ من حديث عمر بن الخطاب.
[٣] أخرجه الترمذي و غيره و تقدم في الخوف و الرجاء.