المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٥
الأشياء فإنّ المؤلم هو الفراق و الفراق يحصل تارة بأن ينهب مال الرّجل و تارة بأن يسبى الرّجل عن المال و الألم واحد في الحالتين و إنّما معنى الموت سلب الإنسان عن أمواله بإزعاجه إلى عالم آخر لا يناسب هذا العالم فإن كان له في الدّنيا شيء يأنس به و يستريح إليه و يتقيّد بوجوده فيعظم تحسّره عليه بعد الموت و يتضاعف شقاؤه في مفارقته، بل يلتفت قلبه إلى واحد واحد من ماله و جاهه و عقاره حتّى إلى قميص كان يلبسه مثلا و يفرح به و إن لم يكن يفرح إلّا بذكر اللّه و لم يأنس إلّا به عظم نعيمه و تمّت سعادته إذ خلّي بينه و بين محبوبه و قطعت عنه العوائق و الشواغل، إذ جميع أسباب الدّنيا شاغلة عن ذكر اللّه فهذا أحد وجهي المخالفة بين حال الموت و حال الحياة، و الثاني أنّه ينكشف له بالموت ما لم يكن مكشوفا له في الحياة كما قد ينكشف للمتيقّظ ما لم يكن مكشوفا له في النوم و الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا و أوّل ما ينكشف له ما يضرّه و ينفعه من حسناته و سيّئاته و قد كان ذلك مسطورا في كتاب مطوي في سرّ قلبه و كان يشغله عن الاطّلاع عليه شواغل الدّنيا فإذا انقطعت الشواغل انكشف له جميع أعماله فلا ينظر إلى سيّئة إلّا و يتحسّر عليها تحسّرا يؤثر أن يخوض غمرة النار للخلاص من ألم تلك الحسرة، و عند ذلك يقال له: «كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً» و ينكشف كلّ ذلك عند انقطاع النفس و قبل الدّفن، و تشتعل فيه نيران الفراق أعني فراق ما كان يطمئنّ إليه من هذه الدّنيا الفانية دون ما أراد منها لأجل الزّاد و البلغة فإنّ من طلب الزّاد للبلغة فإذا بلغ المقصد فرح بمفارقته بقية الزّاد إذ لم يكن يريد الزّاد لعينه و هذا حال من لم يأخذ من الدّنيا إلّا بقدر الضرورة و كان يودّ أن تنقطع ضرورته ليستغني عنه فقد حصل له ما كان يودّه و استغنى عنه و هذه أنواع من العذاب و الآلام عظيمة تهجم عليه قبل الدّفن ثمّ بعد الدّفن قد تردّ روحه إلى الجسد بأنواع آخر من العذاب و قد يعفى عنه و يكون حال المتنعّم بالدّنيا المطمئنّ إليها كحال من تنعّم عند غيبة ملك من الملوك في داره و ملكه و حريمه اعتمادا على أنّ الملك يتساهل في أمره أو على أنّ الملك ليس يدري ما يتعاطاه من قبيح أفعاله فأخذه الملك بغتة و عرض عليه