المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٨٣
و أقاربه إلّا في الحيلة الّتي بها يتناول بعض ما خلّفه، و لا يتفكّر واحد منهم إلّا ما شاء اللّه في جنازة نفسه و في حاله إذا حملت عليها و لا سبب لهذه الغفلة إلّا قساوة القلوب بكثرة المعاصي و الذّنوب حتّى نسينا اللّه و اليوم الآخر و الأهوال الّتي بين أيدينا فصرنا نلهو و نغفل و نشتغل بما لا يعنينا فنسأل اللّه تعالى اليقظة من هذه الغفلة فإنّ أحسن أحوال الحاضرين على الجنائز بكاؤهم على الميّت و لو عقلوا لبكوا على أنفسهم لا على الميّت لأنّهم بالبكاء على أنفسهم أحرى من البكاء على الميّت.
فمن آداب حضور الجنائز التفكّر و التنبّه و الاستعداد و المشي على هيئة التواضع كما ذكرنا آدابه و سننه في فنّ الفقه و من آدابه حسن الظنّ بالميّت و إن كان فاسقا و إساءة الظنّ بالنفس و إن كان ظاهرها الصلاح فإنّ الخاتمة مخطرة لا يدرى حقيقتها، و لذلك روى عمر بن ذرّ أنّه مات واحد من جيرانه و كان مسرفا على نفسه فتجافى كثير من الناس عن جنازته فحضرها هو و صلّى عليه فلمّا أدلى في قبره وقف على قبره و قال: رحمك اللّه يا أبا فلان فلقد صحبت عمرك بالتوحيد و عفّرت وجهك بالسجود و إن قالوا: مذنب و ذو خطايا فمن منّا غير مذنب و غير ذي خطايا، و حكي أنّ رجلا من المنهمكين في الفساد مات في بعض نواحي البصرة فلم تجد امرأته من يعينها على حمل جنازته إذ لم يدر به أحد من جيرانه لكثرة فسقه فاستأجرت حمّالين و حملوه إلى المصلّى فما صلّى عليه أحد فحملوه إلى الصحراء للدّفن و كان على جبل قريب من الموضع زاهد من الزّهّاد الكبار فرآه كالمنتظر للجنازة فقصد أن يصلّي عليه فانتشر الخبر في البلد بأنّ الزاهد نزل ليصلّي على فلان فخرج أهل البلد فصلّى الزّاهد و صلّوا عليه و تعجّب الناس من صلاة الزّاهد عليه، فقال لهم:
قيل لي في المنام: انزل إلى موضع فلان ترى فيه جنازة ليس معها إلّا امرأة فصلّ عليه فإنّه مغفور له فزاد تعجّب الناس فاستدعى الزّاهد امرأته و سألها عن حاله و إنّه كيف كانت سيرته، قالت: كما عرف كان طول نهاره في الماخور مشغولا بشرب الخمر، فقال: انظري هل تعرفين منه شيئا من أعمال الخير، قالت: نعم ثلاثة أشياء كان كلّ يوم يفيق عن سكره وقت الصبح فيبدّل ثيابه و يتوضّأ و يصلّي الصبح بالجماعة