المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٨
محسوسة كإدراكه خلق العالم أو افتقاره إلى خالق مدبّر حكيم موصوف بصفات الإلهيّة و لنسمّ تلك الغريزة عقلا بشرط أن لا يفهم من لفظ العقل ما يدرك به طرق المجادلة و المناظرة، فقد اشتهر اسم العقل بهذا و لهذا ذمّه من ذمّه و إلّا فالصّفة الّتي بها فارق الإنسان البهائم و بها يدرك معرفة اللّه تعالى أعزّ الصفات فلا ينبغي أن يذمّ و هذه الغريزة خلقت فيه ليعلم بها حقائق الأمور كلّها فمقتضى طبعها المعرفة و العلم و هي لذّتها كما أنّ مقتضى طبع سائر الغرائز هو لذّتها و ليس يخفى أنّ في العلم و المعرفة لذّة حتّى أنّ الّذي ينسب إلى العلم و المعرفة و لو في شيء خسيس يفرح به و الّذي ينسب إلى الجهل و لو في شيء حقير يغتمّ به و حتّى أنّ الإنسان لا يكاد يصبر عن التحدّي بالعلم و التمدّح به في الأشياء الحقيرة فالعالم باللّعب بالشطرنج على خسّة لا يطيق السكوت فيه عن التعليم و ينطق لسانه بذكر ما يعلمه و كلّ ذلك لفرط لذّة العلم و ما يستشعره من كمال ذاته فإنّ العلم من أخصّ صفات الرّبوبيّة و هو منتهى الكمال و لذلك يرتاح الطبع إذا اثنى عليه بالذّكاء و غزارة العلم لأنّه يستشعر عند سماع الثناء كمال ذاته و كمال علمه فيعجب بنفسه و يلتذّ به، ثمّ ليست لذّة العلم بالحراثة و الحياكة و الخياطة كلذّة العلم بسياسة الملك و تدبير أمر الخلق و لا لذّة العلم بالنحو و الشعر كلذّة العلم باللّه تعالى و صفاته و ملائكته و ملكوت السماوات و الأرض، بل لذّة العلم بقدر شرف العلم و شرف العلم بقدر شرف المعلوم حتّى أنّ الّذي يعرف بواطن أحوال الناس و يخبر بذلك يجد له لذّة و إن جهله يتقاضاه طبعه أن يتفحّص عنه فإن علم بواطن أحوال رئيس البلد و أسرار تدبيره في رياسته كان ذلك ألذّ عنده و أطيب من علمه بباطن حال فلّاح أو حائك، فإن اطّلع على أسرار الوزير و تدبيره و ما هو عازم عليه في أمر الوزارة فهي أشهى عنده و ألذّ من علمه بأسرار الرّئيس، و إن كان خبيرا بباطن أحوال الملك و السّلطان الّذي هو المستولي على الوزير كان ذلك أطيب عنده و ألذّ من علمه بباطن أمر الوزير و كان يمدحه بذلك و حرصه على البحث عنه أشدّ و حبّه له أكثر لأنّ لذّته فيه أعظم فبهذا يستبان أنّ ألذّ المعارف أشرفها و شرفها بحسب شرف المعلوم فإن كان في المعلومات ما هو