المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٦
اللّطف و إفاضة الخير و الرّحمة على الخلق و النصيحة لهم و إرشادهم إلى الحقّ و منعهم من الباطل إلى غير ذلك من مكارم الشريعة، فكلّ ذلك يقرّب إلى اللّه عزّ و جلّ لا بمعنى طلب القرب بالمكان بل بالصفات، و أمّا ما لا يجوز أن يسطر في الكتب من المناسبة الخاصّة الّتي اختصّ بها الآدميّ فهي الّتي يومي إليها قوله تعالى: «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» [١] إذ بيّن أنّه أمر ربّانيّ خارج عن حدّ عقول الخلق، و يشير إليه قوله تعالى: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» [٢] إذ لم يستحقّ آدم خلافه اللّه إلّا بتلك المناسبة و إليه يرمز قوله عليه السّلام «إنّ اللّه خلق آدم على صورته» [٣] حتّى ظنّ القاصرون أن لا صورة إلّا الصورة الظاهرة المدركة بالحواسّ فشبّهوا و جسّموا و صوّروا تعالى اللّه ربّ العالمين عمّا يقول الجاهلون علوّا كبيرا و إليه الإشارة بقوله لبعض الأنبياء و في نسخة لموسى عليه السّلام: «مرضت فلم تعدني فقال:
يا ربّ و كيف ذلك؟ قال: مرض فلان فلم تعده، و لو عدته لوجدتني عنده» [٤] و هذه المناسبة لا تظهر إلّا بالمواظبة على النوافل بعد أحكام الفرائض، قال اللّه عزّ و جلّ: «و لا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى احبّه فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به، و بصره الّذي يبصر به، و لسانه الّذي ينطق به» [٥] و هذا موضع يجب قبض عنان القلم فيه فقد تحزّب الناس فيه إلى قاصرين مالوا إلى التشبيه الظاهر و إلى غالين مسرفين جاوزوا حدّ المناسبة إلى الاتّحاد و قالوا بالحلول حتّى قال بعضهم:
أنا الحقّ. فضلّ النصارى في عيسى عليه السّلام و قالوا هو الإله، و قال آخرون منهم: تدرّع الناسوت باللّاهوت، و قال آخرون: اتّحد به، و أمّا الّذين انكشف لهم استحالة التشبيه و التمثيل و استحالة الحلول و الاتّحاد و اتّضح لهم مع ذلك حقيقة السرّ فهم الأقلّون فهذه هي المعلومة من أسباب الحبّ و جملتها متظاهرة في حقّ اللّه تعالى تحقيقا لا مجازا و في أعلى الدّرجات لا في أدناها فكان المعقول المقبول هو حبّ اللّه تعالى فقطّ عند ذوي-
[١] الاسراء: ٨٥.
[٢] البقرة: ٢٩.
[٣] تقدم غير مرة.
[٤] تقدم أيضا.
[٥] تقدم عن البخاري في الصحيح و الكليني في الكافي ج ٢ ص ٣٥٢.