المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥
ممّن عبدني لجنّة أو نار، لو لم أخلق جنّة و لا نارا ألم أكن أهلا أن أطاع. و مرّ عيسى عليه السّلام على طائفة من العبّاد قد نحلوا فقال: ما أنحلكم قالوا: نخاف النار و نرجو الجنّة فقال لهم: مخلوقا خفتم و مخلوقا رجوتم، و مرّ بقوم آخرين كذلك فقالوا: نعبده حبّا له و تعظيما لجلاله، فقال: أنتم أولياء اللّه عزّ و جلّ حقّا معكم أمرت أن أقيم.
و في الخبر «لا يكوننّ أحدكم كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل و لا كالأجير السوء إن لم يعط لم يعمل» [١].
و أمّا السبب الخامس للحبّ فهو المناسبة و المشاكلة
إذ شبه الشيء منجذب إليه و الشكل إلى الشكل أميل و لذلك ترى الصبيّ يألف الصبيّ و الكبير يألف الكبير و يألف الطير نوعه و ينفر من غير نوعه، و انس العالم بالعالم أكثر منه بالمحترف و ألف التاجر بالتاجر و انسه به أكثر من انسه بالفلّاح و هذا أمر تشهد به التجربة و تشهد له الأخبار و الآثار كما استقصيناه في باب الاخوّة في اللّه من كتاب آداب الصحبة فليطلب منه، و إذا كانت المناسبة سبب المحبّة فالمناسبة قد تكون في معنى ظاهر كمناسبة الصبيّ للصبيّ في معنى الصّبي و قد تكون خفيّا بحيث لا يطّلع عليه كما ترى من الاتّحاد الّذي يتّفق بين شخصين من غير ملاحظة جمال أو طمع في مال أو غيره كما أشار عليه السّلام إليه إذ قال: «الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف» [٢] و التعارف هو التناسب و التناكر هو التباين، و هذا السبب أيضا يقتضي حبّ اللّه لمناسبة باطنة لا ترجع إلى المشابهة في الصورة و الأشكال بل إلى معان باطنة يجوز أن يذكر بعضها في الكتب و بعضها لا يجوز أن يسطر بل يترك تحت غطاء الغبرة حتّى يعثر عليه السّالكون للطّريق إذا استكملوا شروط السّلوك فالّذي يذكر هو قرب العبد من اللّه عزّ و جلّ في الصفات الّتي أمر فيها بالاقتداء و التخلّق بأخلاق الرّبوبيّة حتّى قيل: تخلّقوا بأخلاق اللّه، و ذلك في اكتساب محامد الصفات الّتي هي من صفات الإلهيّة من العلم و البرّ و الإحسان و
[١] قال العراقي: لم أجد له أصلا.
[٢] أخرجه مسلم ج ٨ ص ٤١ و قد تقدم كرارا.