المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٤٩
اللّه تعالى: «يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ [١]» و منهم من يأمل البقاء إلى الهرم و هو أقصى العمر الّذي شاهده و رآه و هو الّذي يحبّ الدّنيا حبّا شديدا قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «حبّ الشيخ شابّ في طلب الدّنيا و إن التفّت ترقوتاه من الكبر إلّا الّذين اتّقوا و قليل ما هم [٢]»، و منهم من يأمل إلى سنة فلا يشتغل بتدبير ما وراءها و لا يقدّر لنفسه وجودا في عام قابل و لكنّ هذا يستعدّ في الصيف للشتاء و في الشتاء للصيف و إذا جمع ما يكفيه لسنة اشتغل بالعبادة، و منهم من يأمل مدّة الصيف أو الشتاء فلا يدّخر في الصّيف ثياب الشتاء و لا في الشتاء ثياب الصيف، و منهم من يرجع أمله إلى يوم و ليلة فلا يستعدّ إلّا لنهاره فأمّا للغد فلا.
قال عيسى عليه السّلام: «لا تهتمّوا برزق غد فإن يكن غدا من آجالكم فستأتي أرزاقكم مع آجالكم و إن لم يكن غدا من آجالكم فلا تهتمّوا لأرزاق غيركم».
و منهم من لا يجاوز أمله ساعة كما قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يا عبد اللّه إذا أصبحت فلا تحدّث نفسك بالمساء و إذا أمسيت فلا تحدّث نفسك بالصباح [٣]» و منهم من لا يقدّر البقاء أيضا ساعة، و منهم من يكون الموت نصب عينيه كأنّه واقع و هو ينتظره و هذا الإنسان هو الّذي يصلّي صلاة مودّع. فهذه مراتب الناس و لكلّ درجات عند اللّه و ليس من أمله مقصورا على شهر كمن أمله شهر و يوم بل بينهما تفاوت في الدّرجة عند اللّه فإن اللّه لا يظلم مثقال ذرّة و إن تك حسنة يضاعفها و من يعمل مثقال ذرّة خيرا يره ثمّ يظهر أثر قصر الأمل في المبادرة إلى العمل و كلّ إنسان يدّعي أنّه قصير الأمل و هو كاذب و إنّما يظهر ذلك بأعماله فإنّه يعتني بأسباب ربّما لا يحتاج إليها في سنة فيدلّ ذلك على طول أمله، و إنّما علامة التوفيق أن يكون الموت نصب عينيه لا يغفل عنه ساعة فيستعدّ للموت الّذي يرد عليه في الوقت فإن عاش إلى المساء شكر اللّه تعالى
[١] البقرة: ٩٦.
[٢] أخرج صدره مسلم و البخاري في الصحيح ج ٨ ص ١١١ و لم أجده بتمامه.
[٣] أخرجه الترمذي ج ٩ ص ٢٠٣ و البيهقي و غيره من حديث ابن عمر قاله صلى اللّه عليه و آله له.