المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٣٨
و لا تربّص إلّا له، و حقيق بأن يعدّ نفسه من الموتى و يراها في أصحاب القبول فإنّ كلّ ما هو آت قريب، و البعيد ما ليس بآت و قد قال عليه السّلام: «الكيّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت» و لن يتيسّر الاستعداد للشيء إلّا عند تجدّد ذكره على القلب و لا يتجدّد ذكره إلّا عند التذكّر بالإصغاء إلى المذكّرات له، و النظر في المنبّهات عليه و نحن نذكر من أمر الموت و مقدّماته و لواحقه و أحوال الآخرة و القيامة و الجنّة و النار ما لا بدّ للعبد من تذكاره على التكرار و ملازمته بالافتكار و الاستبصار ليكون ذلك مستحثّا على الاستعداد فقد قرب الرّحيل فما بقي من العمر إلّا قليل و الخلق غافلون و اقترب للناس حسابهم و هم في غفلة معرضون. و نحن نذكر ما يتعلّق بالموت في شطرين.
الشطر الأوّل في مقدّماته و توابعه إلى نفخة الصور
و فيه ثمانية أبواب:
الباب الأوّل في فضل ذكر الموت و الترغيب فيه. الباب الثاني في طول الأمل و قصره.
الباب الثالث في سكرات الموت و شدّته و ما يستحبّ من الأحوال عند الموت.
الباب الرّابع في وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. الباب الخامس في كلام المحتضرين من الصالحين.
الباب السادس في أقاويل العارفين على الجنائز و المقابر و حكم زيارة القبور. الباب السابع في حقيقة الموت و ما يلقاه الميّت في القبر إلى نفخة الصّور. الباب الثامن في ما عرف من أحوال الموتى بالمكاشفة في المنام.
(الباب الأول) في فضل ذكر الموت و الترغيب فيه
اعلم أنّ المنهمك في الدّنيا المكبّ على غرورها المحبّ لشهواتها يغفل قلبه لا محالة عن ذكر الموت فلا يذكره و إذا ذكّر به كرهه و نفر منه أولئك هم الّذين قال اللّه تعالى فيهم: «قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [١]» و الناس إمّا منهمك أو تائب مبتدئ أو عارف منته، أمّا المنهمك فلا يذكر الموت و إن ذكره فيذكره ليتأسّف على دنياه و يشتغل بمذمّته و هذا يزيده ذكر الموت من اللّه بعدا، و أمّا التائب فإنّه يكثر ذكر الموت لينبعث به من قلبه الخوف و الخشية
[١] الجمعة: ٨.