المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٣٢
الّتي هي مقرّك، ثمّ الهواء المكتنف لك، ثمّ النبات و الحيوان و ما على وجه الأرض، ثمّ عجائب الجوّ و هو ما بين السّماء و الأرض، ثمّ السماوات السبع بكواكبها ثمّ الكرسيّ ثمّ العرش ثمّ الملائكة الّذين هم حملة العرش و خزّان السماوات ثمّ منه تجاوز النظر إلى ربّ العرش و الكرسيّ و السماوات و الأرض و ما بينهما فبينك و بينه هذه المفاوز الفيح[١]و المسافات الشاسعة و العقبات الشاهقة[٢]و أنت بعد لم تفرغ من العقبة القريبة النازلة، و هي معرفة ظاهر نفسك، ثمّ صرت تطلق اللّسان بوقاحتك و تدّعي معرفة ربّك و تقول: قد عرفته و عرفت خلقه ففيما ذا أتفكّر و إلى ما ذا أتطلّع؟ فارفع الآن رأسك إلى السماء و انظر فيها و في كواكبها و في دورانها و طلوعها و غروبها و شمسها و قمرها و اختلاف مشارقها و مغاربها و دءوبها في الحركة[٣]على الدّوام من غير فتور في حركتها و من غير تغيّر في سيرها بل يجري جميعها في منازل مرتّبة بحساب مقدّر لا يزيد و لا ينقص إلى أن يطويها اللّه عزّ و جلّ طيّ السجلّ للكتب، فتدبّر عدد كواكبها و كثرتها و اختلاف ألوانها فبعضها يميل إلى الحمرة، و بعضها إلى البياض، و بعضها إلى اللّون الرّصاصي، ثمّ انظر إلى كيفيّة أشكالها فبعضها على صورة العقرب و بعضها على سورة الحمل و الثور و الأسد و الإنسان، و ما من صورة في الأرض إلّا و لها تمثال في السماء، ثمّ انظر إلى مسير الشمس في فلكها في مدّة سنة ثمّ هي تطلع كلّ يوم و تغرب بسير آخر سخّرها لها خالقها و لو لا طلوعها و غروبها لما اختلف اللّيل و النهار و لم تعرف المواقيت و لأطبق الظلام على الدّوام أو الضياء على الدّوام و كان لا يتميّز وقت المعاش عن وقت الاستراحة فانظر كيف جعل اللّيل لباسا و النوم سباتا و النهار معاشا، و انظر إلى إيلاجه اللّيل في النهار و النهار في اللّيل و إدخاله الزّيادة و النقصان عليهما على ترتيب مخصوص و انظر إلى إمالته مسير الشمس عن وسط السماء حتّى اختلف بسببه الصّيف و الشتاء و الرّبيع و الخريف
[١] مفازة فيحاء أي واسعة. و الجمع فيح.
[٢] الشاسعة البعيدة، و الشاهقة: المرتفعة (الصحاح).
[٣] الدءوب الجد و الحركة.