المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٢٢
و من التراب الكدر ماء رقيقا عذبا صافيا زلالا و جعل به كلّ شيء حيّا[١]فأخرج به فنون الأشجار و النبات من حبّ و عنب و قضب و زيتون و نخل و رمّان و فواكه كثيرة لا تحصى مختلفة الأشكال و الألوان و الطعوم و الصّفات و الارائيح ففضّل بعضها على بعض في الأكل تسقى جميعا بماء واحد و تخرج من أرض واحدة، فإن قلت:
إنّ اختلافها لاختلاف بذورها و أصولها فمتى كانت في النواة نخلة مطوّقة بعناقيد[٢]الرّطب و متى كانت في حبّة واحدة سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبّة، ثمّ انظر إلى أراضي البوادي و فتّش ظاهرها و باطنها فترى بها ترابا متشابها فإذا أنزل عليها الماء اهتزّت و ربت و أنبتت من كلّ زوج بهيج ألوانا مختلفة و نباتا متشابها و غير متشابه، لكلّ واحد طعم و ريح و لون و شكل يخالف الآخر، فانظر إلى كثرتها و اختلاف أصنافها و كثرة أشكالها، ثمّ اختلاف طبائع النبات و كثرة منافعها و كيف أودع اللّه العقاقير المنافع الغريبة فهذا النبات يغذّي، و هذا يقوّي، و هذا يحيي، و هذا يقتل، و هذا يبرد، و هذا يسخن، و هذا إذا حصل في المعدة قمع الصّفراء من أعماق العروق، و هذا يستحيل إلى الصّفراء، و هذا يقمع البلغم و السّوداء، و هذا يستحيل إليهما، و هذا يستحيل دما، و هذا يصفي الدّم، و هذا يفرّح، و هذا ينوّم، و هذا يقوّي، و هذا يضعّف فلم ينبت من الأرض ورقة و لا نبتة إلّا و فيها منافع لا يقوى البشر على الوقوف على كنهها و كلّ واحد منها يحتاج الفلاّح في تربيته إلى عمل مخصوص فالنخيل تؤبّر [٣]و الكرم يقطع و الزّرع ينقّى منه الحشيش و الدّغل[٤]
[١] لعله مأخوذ من قوله تعالى «وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ» و لا يخفى ان معنى الآية أن اللّه تعالى جعل كل شيء حي من الماء لا كل شيء حيا من الماء. و في الاحياء طبعاته المختلفة بايران و مصر و الهند كلها «و جعل به كل شيء حي» و هو الصواب.
[٢] جمع عنقود بمعنى خوشه.
[٣] الابار- بالكسر- هو إدخال شيء من طلع النخل الذكر في طلع الأنثى فيعلق بإذن اللّه. أبر النخلة و أبره- بالتشديد- أي لقحه و أصلحه.
[٤] الدغل- محركة-: الشجر الكثير الملتف، و اشتباك النبت.