المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١٤
«أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ. فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ [١]» و قال: «أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [٢]» و قال: «إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ [٣]».
ثمّ ذكر كيف جعل النّطفة علقة و العلقة مضغة و المضغة عظاما و قال تعالى:
«وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً- الآية» [٤] فتكرار ذكر النطفة في الكتاب العزيز ليس ليسمع لفظها و يترك التأمّل في معناها فانظر الآن إلى النطفة و هي قطرة من الماء قذرة و لو تركت ساعة يضربها الهواء فسدت و أنتنت كيف أخرجها ربّ الأرباب من الصلب و الترائب و كيف جمع بين الذّكر و الأنثى؟ و ألقى الإلف و المحبّة في قلبهما؟ و كيف قادهما بسلسلة المحبّة و الشهوة إلى الاجتماع؟ و كيف استخرج النطفة من الرّجل بحركة الوقاع؟ و كيف استجلب دم الحيض من أعماق العروق و جمعه في الأرحام؟ ثمّ كيف خلق المولود من النطفة و سقاه بماء الحيض و غذّاه و ربّاه و كيف جعل النطفة و هي بيضاء مشرقة علقة حمراء، ثمّ كيف جعلها مضغة، ثمّ كيف قسّم أجزاء النطفة و هي متشابهة متساوية إلى العظم و الأعصاب و العروق و الأوتار و اللّحم، ثمّ كيف ركّب من اللّحوم و الأعصاب و العروق الأعضاء الظاهرة فدوّر الرأس و شقّ السمع و البصر و الأنف و الفم و سائر المنافذ، ثمّ مدّ اليد و الرّجل و قسم رءوسها بالأصابع و قسم الأصابع بالأنامل ثمّ كيف ركّب الأعضاء الباطنة من القلب و المعدة و الكبد و الطحال و الرّية و الرّحم و المثانة و الأمعاء كلّ واحد على شكل مخصوص، بمقدار مخصوص لعمل مخصوص، ثمّ كيف قسم كلّ عضو من هذه الأعضاء بأقسام آخر فركّب العين من سبع طبقات لكلّ طبقة وصف مخصوص و هيئة مخصوصة لو فقدت طبقة منها أو زالت صفة من صفاتها لتعطّلت العين عن الإبصار و لو ذهبنا إلى نصف ما في آحاد هذه الأعضاء من العجائب و الآيات لانقضت فيه الأعمار، فانظر الآن إلى العظام و هي أجسام قويّة صلبة كيف خلقها من نطفة سخيفة رقيقة ثمّ جعلها قواماً للبدن و عمادا له،
[١] المرسلات: ٢٠ و ٢١.
[٢] يس: ٧٧.
[٣] الدهر: ٢.
[٤] المؤمنون: ١٢ و ١٣ و ١٤.