المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٠٢
في حيلة الاحتراز و يتفكّر في سمعه أنّه يصغي به إلى الغيبة و الكذب و فضول الكلام و إلى اللّهو و البدعة و أنّ ذلك إنّما يسمعه من زيد و من عمرو و أنّه كيف ينبغي أن يحترز عنهم بالاعتزال أو بالنّهي عن المنكر مهما سمع ذلك، و يتفكّر في بطنه أنّه إنّما يعصي اللّه فيه بالأكل و الشرب. إمّا بكثرة الأكل من الحلال فإنّ ذلك مكروه عند اللّه عزّ و جلّ و مقوّ للشهوة الّتي هي سلاح الشيطان عدوّ اللّه، و إمّا بأكل الحرام و الشبهة فينظر من أين مطعمه و ملبسه و مسكنه و مكسبه و يتفكّر في طرق الحلال و مداخله ثمّ يتفكّر في وجوه الحيلة في الاكتساب منه و الاحتراز من الحرام و يقرّر على نفسه أنّ العبادات كلّها ضائعة عند اللّه مع أكل الحرام و أنّ أكل الحلال هو أساس العبادات كلّها و أنّ اللّه لا يقبل صلاة عبد و في ثمن ثوبه درهم حرام كما ورد الخبر به[١]فهكذا يتفكّر في أعضائه. و في هذا القدر كفاية عن الاستقصاء، فمهما حصلت بالفكر حقيقة المعرفة بهذه الأحوال اشتغل بالمراقبة طول النهار حتّى يحفظ الأعضاء عنها.
و أمّا النوع الثاني و هو الطاعات
فينظر أوّلا في الفرائض المكتوبة عليه أنّه كيف يؤدّيها و كيف يحرسها عن النّقصان و التقصير أو كيف يجبر نقصانها بكثرة النّوافل، ثمّ يرجع إلى عضو عضو فيتفكّر في الأفعال الّتي تتعلّق بها ممّا كتبه اللّه عزّ و جلّ عليه فيقول مثلا: إنّ العين خلقت للنظر في ملكوت السموات و الأرض عبرة و لتستعمل في طاعة اللّه تعالى و تنظر في كتاب اللّه و سنّة رسوله و أنا قادر على أن أشغل العين بمطالعة القرآن و السنّة فلم لا أفعله و أنا قادر على أنّ أنظر إلى فلان المطيع بعين التعظيم فأدخل السرور على قلبه و أنظر إلى فلان الفاسق بعين الازدراء و أزجره بذلك عن معصيته فلم لا أفعله، و كذلك يقول في سمعه: إنّي قادر على استماع كلام اللّه أو استماع حكمة و علم أو استماع قراءة و ذكر، فما لي اعطّله و قد أنعم اللّه عزّ و جلّ عليّ به و أودعنيه لأشكره، فما لي أكفر نعمة اللّه فيه بتضييعه
[١] أخرج أحمد في مسنده ج ٢ ص ٩٨ من حديث ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه و آله قال: «من اشترى ثوبا بعشرة دراهم و فيه درهم حرام لم يقبل اللّه له صلاة ما دام عليه».