المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩٩
قلوبنا تغيّرت القلوب إلى الرّغبة في الآخرة و الزّهد في الدّنيا و هذا ما عنيناه بالحال إذ كان حال القلب قبل هذه المعرفة حبّ العاجلة و الميل إليها و النفرة عن الآخرة و قلّة الرّغبة فيها و بهذه المعرفة تغيّر حال القلب و تبدّلت إرادته و رغبته ثمّ أثمر تغيّر الإرادة أعمال الجوارح في إطراح الدّنيا و الإقبال على أعمال الآخرة فهاهنا خمس درجات أولاها التذكّر و هو إحضار المعرفتين في القلب، و ثانيها التفكّر و هو طلب المعرفة المقصودة منهما، و الثالثة حصول المعرفة المطلوبة و استنارة القلب بها، و الرابعة تغيّر حال القلب عمّا كان بسبب حصول نور المعرفة، و الخامسة خدمة الجوارح للقلب بحسب ما يتجدّد له من الحالة، فكما تضرب الحجر على الحديد فيخرج منه نار يستضيء بها الموضع فيصير العين بها مبصرة بعد أن لم تكن مبصرة و تنتهض الأعضاء للعمل فكذلك زناد نور المعرفة[١]هو الفكر فيجمع بين المعرفتين كما يجمع بين الحجر و الحديد و يؤلّف بينهما تأليفا مخصوصا كما يضرب الحجر على الحديد ضربا مخصوصا فينبعث نور المعرفة كما تنبعث النار من الحديد و يتغيّر القلب بسبب هذا النور حتّى يميل إلى ما لم يكن يميل إليه كما يتغيّر البصر بنور النار فيرى ما لم يكن يراه، ثمّ تنتهض الأعضاء للعمل بمقتضى حال القلب كما ينتهض العاجز عن العمل بسبب الظلمة للعمل عند إدراك البصر ما لم يكن يبصره فإذن ثمرة الفكر العلوم و الأحوال و العلوم لا نهاية لها و الأحوال الّتي تتصوّر أن تتقلّب على القلب لا يمكن حصرها، فلهذا لو أراد مريد أن يحصى فنون الفكر و مجاريه و أنّه فيما ذا يتفكّر لم يقدر عليه لأنّ مجاري الفكر غير محصورة و ثمراته غير متناهية، نعم نحن نجتهد في ضبط مجاريه بالإضافة إلى مهمّات العلوم الدّينيّة و بالإضافة إلى الأحوال الّتي هي مقامات السالكين و يكون ذلك ضبطا جمليّا فإنّ تفصيل ذلك يستدعي شرح العلوم كلّها و جملة هذه الكتب كالشرح لبعضها فإنّها مشتملة على علوم تلك العلوم تستفاد من أفكار مخصوصة فلنشر إلى ضبط المجامع فيه ليحصل الوقوف على مجاري الفكر فيه.
[١] الزند هو العود الذي تقدح به النار جمعه زناد.