المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩٥
و عن الرّضا عليه السّلام «ليس العبادة بكثرة الصلاة و الصوم، إنّما العبادة التفكّر في أمر اللّه تعالى [١]».
قال أبو حامد: و عن محمّد بن واسع أنّ رجلا من أهل البصرة ركب إلى امّ ذرّ بعد موت أبي ذرّ فسألها عن عبادة أبي ذرّ فقالت: كان نهاره أجمع في ناحية البيت يتفكّر. و قال بعض السّلف: تفكّر ساعة خير من قيام ليلة، و قال آخر:
الفكر مرآة تريك حسناتك و سيّئاتك، و قال آخر: الفكرة مخّ العقل و قد قيل:
إذا المرء كانت له فكرة
ففي كلّ شيء له عبرة
و روي أنّ الحواريّين قالوا لعيسى ابن مريم عليه السّلام: هل على الأرض اليوم مثلك؟ فقال: نعم من كان منطقه ذكرا و صمته فكرا و نظره عبرة فإنّه مثلي و قال بعض السلف: من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو، و من لم يكن سكوته تفكّرا فهو سهو، و من لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو. و في قول اللّه عزّ و جلّ:
«سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ [٢]» قال: أمنع قلوبهم من التفكّر في أمري.
و عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أعطوا أعينكم حظّها من العبادة، قالوا: و ما حظّها من العبادة يا رسول اللّه؟ قال: النظر في المصحف و التفكّر فيه و الاعتبار عند عجائبه» [٣].
و عن امرأة كانت تسكن البادية قريبا من مكّة أنّها قالت لو تطالعت قلوب المتّقين بفكرها إلى ما قد ادّخر في حجب الغيوب من خير الآخرة لم يصف لهم في الدّنيا عيش و لم تقرّ لهم في الدّنيا عين. و كان لقمان يطيل الجلوس وحده فكان يمرّ به مولاه فيقول: يا لقمان إنّك تديم الجلوس وحدك فلو جلست مع الناس لكان آنس لك، فيقول
[١] الكافي ج ٢ ص ٥٥ تحت رقم ٤.
[٢] الأعراف: ١٤٥.
[٣] رواه ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر، و من طريقه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب العظمة كما في المغني.