المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩
مضطرّ إلى الطاعة و الامتثال لما يرسمه فلا يقدر على مخالفته و لو خلاه الأمير و نفسه لما سلّمه فكذلك كلّ محسن لو خلاه اللّه عزّ و جلّ و نفسه لم يبذل حبّة من ماله حتّى سلّط اللّه الدّواعي عليه و ألقى في نفسه أن حظّه دينا و دنيا في بذله فبذله لذلك، و الثاني أنّه معتاض عمّا بذله حظّا هو أو في عنده و أحبّ إليه عمّا بذله و كما لا يعدّ البائع محسنا لأنّه بذل بعوض هو أحبّ عنده ممّا بذله فكذلك الواهب اعتاض الثواب أو الحمد و الثناء أو عوضا آخر و ليس من شرط العوض أن يكون عينا متموّلا بل الحظوظ كلّها أعواض تستحقر الأموال و الأعيان بالإضافة إليها فالإحسان بالجود و الجود هو بذل المال من غير عوض و حظّ يرجع إلى الباذل و ذلك محال من غير اللّه عزّ و جلّ فهو الّذي أنعم على العالمين إحسانا إليهم و لأجلهم لا لحظّ و غرض يرجع إليه فإنّه يتعالى عن الأغراض و الحظوظ فلفظ الجود و الإحسان في حقّ غيره كذب أو مجاز و معناه في حقّ غيره محال و ممتنع امتناع الجمع بين السّواد و البياض فهو المتفرّد بالجود و الإحسان و الطول و الامتنان فإن كان في الطبع حبّ المحسن فينبغي أن لا يحبّ العارف إلّا اللّه عزّ و جلّ إذ الإحسان من غيره محال فهو المستحقّ لهذه المحبّة وحده و أمّا غيره فيستحقّ المحبّة على الإحسان بشرط الجهل بمعنى الإحسان و حقيقته.
و أمّا السبب الثالث: و هو حبّك المحسن في نفسه
و إن لم يصل إليك إحسانه فهذا موجود في الطباع فإذا بلغك خبر ملك عالم عابد عادل رفيق بالناس متلطّف بهم متواضع لهم و هو في قطر من أقطار الأرض بعيد عنك و بلغك خبر ملك آخر ظالم متكبّر فاسق متهتّك شرير و هو أيضا بعيد عنك فإنّك تجد في القلب تفرقة بينهما إذ تجد في القلب ميلا إلى الأوّل و هو الحبّ و نفرة عن الثاني و هو البغض مع أنّك آيس من خير الأوّل و آمن من شرّ الثاني لانقطاع طمعك عن الترحّل إلى بلادهما فهذا حبّ المحسن من حيث إنّه محسن في نفسه فقطّ لا من حيث إنّه محسن إليك و هذا أيضا يقتضي حبّ اللّه تعالى بل يقتضي أن لا يحبّ غيره أصلا إلّا من حيث يتعلّق منه بسبب فإنّ اللّه تعالى هو المحسن إلى الكافّة المتفضّل على جميع أصناف