المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٨
أملهم غرورا، أ ما لك بهم عبرة أ ما لك إليهم نظرة أ تظنّين أنّهم دعوا إلى الآخرة و أنت من الخالدين هيهات هيهات ساء ما تتوهّمين ما أنت إلّا في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمّك فابني على ظهر الأرض قصرك فإنّ بطنها عن قليل يكون قبرك، أ ما تخافين إذا بلغت النفس منك التراقي أن تبدو رسل ربّك منحدرة إليك بسواد الألوان و كلح الوجوه و بشّروك بالعذاب فهل ينفعك حينئذ الندم أو يقبل منك الحزن أو يرحم منك البكاء، و العجب كلّ العجب منك أنّك مع هذا تدّعين البصيرة و الفطنة و من فطنتك أنّك تفرحين كلّ يوم بزيادة مالك و لا تحزنين بنقصان عمرك و ما نفع مال يزيد و عمر ينقص. ويحك يا نفس تعرضين عن الآخرة و هي مقبلة عليك و تقبلين على الدنيا و هي معرضة عنك، فكم من مستقبل يوما لم يستكمله و كم من مؤمّل لغد لم يبلغه و أنت تشاهدين ذلك في إخوانك و أقاربك و جيرانك و ترين تحسّرهم عند الموت ثمّ لا ترجعين عن جهالتك فاحذري يا مسكينة يوما آلى اللّه تعالى فيه على نفسه أن لا يترك فيه عبدا أمره في الدّنيا و نهاه حتّى يسأله عن عمله دقيقه و جليله سرّه و علانيته، فانظرى بأيّ بدن تقفين بين يديه و بأيّ لسان تجيبين و أعدّي للسؤال جوابا و للجواب صوابا و اعملي بقيّة عمرك في أيّام قصار لأيّام طوال و في دار زوال لدار مقامة، و في دار حزن و نصب لدار نعيم و خلود، و اعملي قبل أن لا تعملي و اخرجي من الدّنيا اختيارا خروج الأحرار قبل أن تخرجي منها على الاضطرار، و لا تفرحي بما يساعدك من زهرات الدّنيا فربّ مسرور مغبون و ربّ مغبون لا يشعر فويل لمن له الويل ثمّ لا يشعر، يضحك و يفرح و يمرح و يأكل و يشرب و يلهو، و قد حقّ له في كتاب اللّه أنّه من وقود النار، فليكن نظرك يا نفس إلى الدّنيا اعتبارا و سعيك لها اضطرارا و رفضك لها اختيارا و طلبك للآخرة ابتدارا و لا تكوني ممّن يعجز عن شكر ما أوتي و يبتغي الزّيادة فيما بقي و ينهى النّاس و لا ينتهي، و اعلمي أنّه ليس للدّين عوض و لا للإيمان بدل و لا للجسد خلف و من كانت مطيّته اللّيل و النّهار فإنّه يسار به و إن لم يسر، فاتّعظي يا نفس بهذه الموعظة و اقبلي هذه النصيحة فإنّ من أعرض عن الموعظة