المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٤
لها في مخالفتها فربّ اكلة تمنع أكلات، و ما قولك في عقل مريض أشار عليه الطبيب بترك الماء البارد ثلاثة أيّام ليصحّ و يتهنّأ لشربه طول العمر و أخبر أنّه إن شربه مرض مرضا مزمنا و امتنع عليه شربه طول العمر فما مقتضى العقل في قضاء حقّ الشهوة أ يصبر ثلاثة أيّام ليتنعّم طول العمر أم يقضي شهوته في الحال خوفا من ألم المخالفة ثلاثة أيّام حتّى يلزمه ألم المخالفة ثلاثمائة يوم و ثلاثة آلاف يوم و جميع عمرك بالإضافة إلى الأبد الّذي هو مدّة نعيم أهل الجنّة و عذاب أهل النار أقلّ من ثلاثة أيّام بالإضافة إلى جميع العمر و إن طالت مدّته، و ليت شعري ألم الصبر عن الشهوات أعظم شدّة و أطول مدّة أو ألم النار في دركات جهنّم؟! فمن لا يطيق الصبر على ألم المجاهدة كيف يطيق ألم عذاب اللّه؟. ما أراك تتوانين عن النظر لنفسك إلّا لكفر خفيّ أو لحمق جليّ أمّا الكفر الخفي فهو ضعف إيمانك بيوم الحساب و عظم قدر الثواب و العقاب و أمّا الحمق الجليّ فاعتمادك على كرم اللّه تعالى و عفوه من غير التفات إلى مكره و استدراجه و استغنائه عن عبادتك مع أنّك لا تعتمدين على كرمه في لقمة من الخبز و حبّة من المال و كلمة واحدة تسمعينها من الخلق، بل تتوصّلين إلى غرضك في ذلك بجميع الحيل و بهذا الجهل تستحقّين لقب الحماقة من النبيّ عليه السّلام حيث قال:
«الكيّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت، و الأحمق من أتبع نفسه هواها و تمنّى على اللّه الأماني» [١] ويحك يا أنس لا ينبغي أن تغرّنّك الحياة الدّنيا و لا يغرّنك باللّه الغرور، فانظري لنفسك فيما أمرك و لا تضيّعي أوقاتك فإنّ الأنفاس معدودة و إذا مضى نفس منك فقد مضى بعضك، فاغتنمي الصحّة قبل السقم، و الفراغ قبل الشغل، و الغنى قبل الفقر و الشباب قبل الهرم، و الحياة قبل الموت، و استعدّي للآخرة على قدر بقائك فيها أما تستعدّين للشتاء بقدر طول مدّته فتجمعين له القوت و الكسوة و الحطب و اللّبد و الجبّة و لا تتّكلين في ذلك على فضل اللّه و كرمه حتّى يدفع البرد عنك من غير جبّة و لبد و حطب فانّه قادر على ذلك، أ فتظنّين أنّ زمهرير جهنّم أخفّ بردا أو أقصر مدّة من زمهرير الشتاء أم تظنّين أنّ العبد ينجو منها بغير سعي،
[١] أخرجه ابن ماجه في السنن و تقدم غير مرة.