المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٢
أنّ اللّه كريم في الآخرة دون الدّنيا و قد عرفت أنّ سنّة اللّه لا تبديل لها و أنّ ربّ الدّنيا و الآخرة واحد و أن ليس للإنسان إلّا ما سعى، ويحك يا نفس ما أعجب نفاقك و كثرة دعاويك الباطلة فإنّك تدّعين الإيمان بلسانك و أثر النفاق ظاهر عليك ألم يقل لك سيّدك و مولاك: «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها» [١] و قال في أمر الآخرة:
«وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [٢]» فقد تكفّل لك بأمر الدّنيا خاصّة و صرفك عن السّعي لها فكذّبته بأفعالك و أصبحت تتكلبين على طلبها تكالب المدهوش المستهتر و وكّل أمر الآخرة إلى سعيك فأعرضت عنها إعراض المغرور المستحقر ما هذا من علامات الايمان فلو كان الايمان باللّسان فلما ذا كان المنافقون في الدّرك الأسفل من النّار. ويحك كأنّك لا تؤمنين بيوم الحساب و تظنّين أنّك إذا متّ انفلتّ و تخلّصت و هيهات أ تحسبين أن تتركي سدى، أ لم تكوني نطفة من منّي يمني، ثمّ كنت علقة فخلق فسوّى، أ ليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى، فإن كان هذا من إضمارك فما أكفرك و أجهلك أ ما تتفكّرين أنّه ممّا ذا خلقك من نطفة خلقك فقدّرك ثمّ السبيل يسّرك، ثمّ أماتك فأقبرك أ فتكذّبينه في قوله «ثمَّ إذا شاء أنشرك»؟ فإن لم تكوني مكذّبة فما بالك لا تأخذين حذرك و لو أنّ يهوديّا أخبرك في ألذّ أطعمتك بأنّه يضرّك في بدنك لصبرت عنه و تركته و جاهدت نفسك فيه أ فكان قول الأنبياء المؤيّدين بالمعجزات و قول اللّه عزّ و جلّ في كتبه المنزلة أقلّ عندك تأثيرا من قول يهوديّ يخبرك عن حدس و تخمين و ظنّ مع نقصان عقل و قصور علم؟! و العجب أنّه لو أخبرك طفل بعقرب في ثوبك نزعته في الحال من غير مطالبة له ببرهان و دليل أ كان قول الأنبياء و العلماء و الحكماء و كافّة الأولياء أقلّ عندك من قول صبيّ من جملة الأغبياء؟ أو صار حرّ جهنّم و صديدها و أغلالها و أنكالها و زقّومها و مقامعها و حديدها و أفاعيها و عقاربها أحقر عندك من لدغ عقرب لا تحسّين بألمه إلّا يوما أو أقلّ؟ ما هذا من أفعال العقلاء بل لو انكشف للبهائم حالك لضحكوا منك و سخروا من عقلك. فإن كنت قد عرفت جميع ذلك و آمنت به فما لك تسوّفين العمل
[١] هود: ٦.
[٢] النجم: ٣٩.