المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٦
فقد روي عن حبيبة العدويّة أنّها كانت إذا صلّت العتمة قامت على سطح لها و شدّت عليها درعها و خمارها ثمّ قالت: إلهي قد غارت النجوم و نامت العيون و غلّقت الملوك أبوابها و خلا كلّ حبيب بحبيبه و هذا مقامي بين يديك، ثم أقبلت على صلاتها فإذا كان السحر و طلع الفجر قالت: إلهي هذا اللّيل قد أدبر، و هذا النهار قد أسفر فليت شعري أقبلت منّي ليلتي فأهنأ أو رددتها عليّ فأعزي و عزّتك لهذا دأبي و دأبك ما أبقيتني و عزّتك لو انتهرتني عن بابك ما برحته لما وقع في نفسي من جودك و كرمك.
و يروى عن عجرة أنّها كانت تحيي اللّيل و كانت مكفوفة البصر فإذا كان السحر نادت بصوت لها محزون: إليك قطع العابدون دجى اللّيالي، يستبقون إلى رحمتك و فضل مغفرتك، فبك يا إلهي أسألك لا بغيرك أن تجعلني في أوّل زمرة السابقين و أن ترفعني لديك في علّيّين في درجة المقرّبين و أن تلحقني بعبادك الصالحين فأنت أرحم الرّحماء و أعظم العظماء و أكرم الكرماء يا كريم، فخرّت ساجدة فسمعت لها وجبة ثمّ لا تزال تدعو و تبكي إلى الفجر.
و قال يحيى بن بسطام: كنت أشهد مجلس شعوانة [١] فكنت أرى ما تصنع من النياحة و البكاء فقلت لصاحب لي لو أتيناها إذا خلت فأمرناها بالرّفق بنفسها قال أنت و ذاك قال: فأتيناها فقلت لها: لو رفقت بنفسك و أقصرت عن هذا البكاء شيئا لكان ذلك أقوى على ما تريدين فبكت ثمّ قال: و اللّه لوددت أن أبكي حتّى تنفد دموعي ثمّ أبكي دما حتّى لا تبقى قطرة من دم في جارحة من جوارحي، و أنّى لي بالبكاء و أنّى لي بالبكاء، فلم تزل تردّد «و أنّى لي بالبكاء» حتّى غشي عليها.
و قال محمّد بن معاذ: حدّثتني امرأة من المتعبّدات قالت: رأيت في منامي كأنّي ادخلت الجنّة فإذا أهل الجنّة قيام على أبوابها فقلت: ما شأن أهل الجنّة قياما؟
فقال لي قائل: خرجوا ينظرون إلى هذه المرأة الّتي زخرفت الجنان لقدومها قلت:
و من هذه المرأة؟ قيل: أمة سوداء من أهل الأيلة يقال لها شعوانة قالت: فقلت: اختي
[١] في طبقات الشعراني نبذ يسير من حالاتها فراجعه.