المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٥
من شرّك ثمّ أرجو أن يعيذني من سخطه و يتفضّل عليّ برحمته قال: فقلت هذا ولي اللّه أخاف أن أشغله فاعاقب في موضعي هذا فانصرفت و تركته. و قال بعض الصالحين:
بينما أنا أسير في مسير لي إذ ملت إلى شجرة لأستريح تحتها فإذا أنا بشيخ قد أشرف عليّ فقال: يا هذا قم فإنّ الموت لم يمت ثمّ هام على وجهه فأتبعته فسمعته و هو يقول: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ* اللّهمّ بارك لي في الموت» فقلت: و فيما بعد الموت فقال:
من أيقن بما بعد الموت شمّر مئزر الحذر و لم يكن له في الدّنيا مستقرّ، ثمّ قال:
«يا من لوجهه عنت الوجوه بيّض وجهي بالنظر إليك و املأ قلبي من المحبّة لك و أجرني من ذلّة التوبيخ غدا عندك فقد آن لي الحياء منك و حان لي الرّجوع عن الإعراض عنك، ثمّ قال: لو لا حلمك لم يسعني أجلي، و لو لا عفوك لم ينبسط فيما عندك أملي، ثمّ مضى و تركني و قد أنشدوا في هذا المعني:
نحيل الجسم مكتئب الفؤاد
تراه بقنّة أو بطن واد
ينوح على معاصي فادحات
يكدّر ثقلها صفو الرّقاد
فإن هاجت مخاوفه و زادت
فدعوته أغثني يا عمادي
فأنت بما الاقيه عليم
كثير الصفح عن زلل العباد
فهكذا كانت سيرة السلف الصالحين في مرابطة النفس و مراقبتها فمهما تمرّدت نفسك عليك و امتنعت من المواظبة على العبادة فطالع أحوال هؤلاء فإنّه قد عزّ الآن وجود مثلهم و لو قدرت على مشاهدة من اقتدى بهم فهو أنجع في القلب و أبعث على الاقتداء، فليس الخبر كالمعاينة، و إذا عجزت عن هذا فلا تغفل عن سماع أحوال هؤلاء فإن لم يكن إبل فمعزى، و خيّر نفسك بين الاقتداء بهم و الكون في غمارهم و هم العقلاء و الحكماء و ذوو البصائر في الدّين و بين الاقتداء بالجهلة الغافلين من أهل عصرك و لا ترض لها أن تنخرط في سلك الحمقى و تقنع بالتشبّه بالاغبياء. و تؤثر مخالفة العقلاء فإن حدّثتك نفسك بأنّ هؤلاء رجال أقوياء لا يطاق الاقتداء بهم فطالع أحوال النساء المجتهدات و قل لها: أ لا تستنكفين يا نفس أن تكوني أقلّ من امرأة فأخسس برجل يقصر عن امرأة في أمر دينها و دنياها و لنذكر الآن نبذة من أحوال المجتهدات