المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٥٢
أبد الآباد فانقضاء هذه الأنفاس ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب الهلاك خسران عظيم هائل لا يسمح به عاقل فإذا أصبح العبد و فرغ من فريضة الصبح ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة النفس كما أنّ التاجر عند تسليم البضاعة إلى الشريك العامل يفرغ المجلس لمشارطته فيقول للنفس: ما لي بضاعة إلّا العمر و مهما فنى فقد فنى رأس المال و وقع اليأس عن التجارة و طلب الرّبح و هذا اليوم الجديد قد أمهلني اللّه عزّ و جلّ فيه و أنسأ في أجلي و أنعم به عليّ و لو توفّاني لكنت أتمنّي أن يرجعني إلى الدّنيا يوما واحدا حتّى أعمل فيه صالحا فاحسبي أنّك توفّيت ثمّ رددت فإيّاك أن تضيّعي هذا اليوم فإنّ كلّ نفس من الأنفاس جوهرة لا قيمة لها، و اعلمي أنّ اليوم و اللّيلة أربع و عشرون ساعة و قد ورد في الخبر، «إنّه ينشر للعبد كلّ يوم و ليلة أربع و عشرون خزانة مصفوفة فيفتح له منها خزانة فيراها مملوّة نورا من حسناته الّتي عملها في تلك الساعة فيناله من الفرح و الاستبشار بمشاهدة تلك الأنوار الّتي هي وسيلة عند الملك الجبّار ما لو وزّع على أهل النار لأدهشهم ذلك الفرح عند الإحساس بألم النار، ثمّ يفتح له خزانة أخرى سوداء مظلمة يفوح نتنها و يتغشّاه ظلامها و هي الساعة الّتي عصى اللّه فيها فيناله من الهول و الفزع ما لو قسّم على أهل الجنّة لتنغّص عليهم نعيمها، و يفتح له خزانة أخرى فارغة ليس فيها ما يسرّه و لا ما يسوؤه» [١] و هي الساعة الّتي نام فيها أو غفل أو اشتغل بشيء من مباحات الدّنيا فيتحسّر على خلوّها و يناله من غبن ذلك ما ينال القادر على الرّبح الكثير و الملك الكبير إذا أهمله و تساهل فيه حتّى فاته و ناهيك به حسرة و غبنا و هكذا يعرض عليه خزائن أوقاته طول عمره فيقول لنفسه: اجتهدي اليوم في أن تعمري خزائنك و لا تدعيها فارغة عن كنوزك الّتي هي أسباب ملكك و لا تركني إلى الكسل و الدّعة و الاستراحة فيفوتك من درجات علّيّين ما يدركه غيرك و تبقى عندك حسراتها لا تفارقك و إن دخلت الجنّة، و ألم الغبن و الحسرة لا يطاق و إن كان دون ألم النار، و قال بعضهم: هب أنّ المسيء قد عفي عنه أ ليس قد فاته ثواب المحسنين. أشار به
[١] أورده العلامة المجلسي في البحار ج ٣ ص ٢٦٧ في الهامش من كتاب عدة الداعي.